كل تغيير في القطاع الحكومي يبدأ من فكرة، وكل فكرة تولد من موظف واحد يملك الشجاعة ليقترح ويبتكر ويغيّر.
وعندما يتحول هذا الموظف من منفذ للإجراءات إلى صانع للحلول الابتكارية، تتغير معه المؤسسة بأكملها.
هنا تتشكل القيادة الريادية، وتبدأ رحلة تمكين الكفاءات التي تجعل العنصر البشري محركا أساسيا وحقيقيا للمستقبل.
ويشهد القطاع الحكومي في البحرين تحولا متسارعا في منهج واستراتيجيات إدارة الموارد البشرية، إذ لم يعد التركيز منصبا على المهمات اليومية أو الالتزام الصارم بالإجراءات، بل على بناء موظف قادر على التفكير الريادي والمبادرة وصناعة الحلول.
هذا التوجه لم يأتِ من فراغ، بل نتيجة رؤية وطنية تسعى إلى تمكين وتطوير كفاءات قادرة على مواكبة التحديات الحديثة، ورفع جودة الخدمات المقدمة، وتعزيز كفاءة الأداء المؤسسي بما ينسجم مع رؤية البحرين 2030 التي ترتكز على الاستدامة والعدالة والتنافسية، وتتلاءم مع تطلعات التنمية المستدامة.
لم يعد الدور التقليدي للموظف الحكومي مقتصرا على تنفيذ التعليمات أو الالتزام الحرفي بالإجراءات واللوائح، بل أصبح مطالبا اليوم بأن ينتقل من منفّذ للإجراءات إلى صانع للحلول، وشريك فاعل في تطوير العمل وصناعة البدائل؛ فالتحول الحقيقي في الأداء المؤسسي يبدأ عندما يغادر الموظف موقع التنفيذ الروتيني إلى فضاء المبادرة والتفكير التحليلي القادر على تشخيص المشكلات واقتراح حلول عملية لمعالجتها.
ويُعد هذا التحول جوهر مفهوم التمكين؛ لأنه يحرّر الطاقات الكامنة لدى الموظف، ويمنحه مساحة أوسع للمشاركة في تحسين الخدمات ورفع كفاءة الأداء المؤسسي.
وفي هذا السياق، يبرز دور الابتكار الإداري كأداة داعمة لهذا التحول، إذ يتيح للموظف استخدام أدوات حديثة وأساليب عمل مرنة تساعده على تقديم حلول عملية تتجاوز النماذج التقليدية في الأداء الحكومي.
ويعكس هذا التحول نقلة نوعية في الثقافة المؤسسية، حيث تُقاس قيمة الموظف بما يقدّمه من أفكار ومبادرات، لا بمجرد الالتزام بالمهمات الموكلة إليه؛ الأمر الذي يعزز الثقة المتبادلة بين الإدارة والموظفين، ويدعم بناء بيئة عمل قائمة على المسؤولية والمساءلة الإيجابية.
ويشكّل تمكين المرأة البحرينية أحد المحركات الأساسية لتعزيز منظومة القيادة الريادية داخل المؤسسات الحكومية، حيث أثبتت التجربة الوطنية أن مشاركة المرأة في مواقع صنع القرار تسهم في تنويع الرؤى، ورفع جودة القرارات، وتعزيز الابتكار المؤسسي.
ولم يعد حضور المرأة في العمل الحكومي مجرد تمثيل عددي، بل أصبح حضورا نوعيا فاعلا في إدارة الفرق، وتطوير السياسات، وقيادة المبادرات التنموية.
وتنسجم هذه المقاربة مع الهدف الأممي المتعلق بالمساواة بين الجنسين (SDG 5)، الذي يؤكد أن تمكين المرأة ليس قضية اجتماعية فقط، بل ركيزة تنموية واقتصادية تسهم في بناء مؤسسات أكثر عدالة واستدامة.
كما أن الاستثمار في القيادات النسائية يفتح المجال أمام بناء صف ثان من القيادات القادرة على مواصلة مسار التطوير المؤسسي، ويعزز جاهزية المؤسسات الحكومية لمتطلبات المستقبل.
وتشير الممارسات الحديثة في الموارد البشرية إلى أن دمج المرأة في برامج القيادة والتطوير الوظيفي يسهم في ترسيخ ثقافة عمل أكثر توازنا، ويعزز الابتكار من خلال تنوع الخبرات ووجهات النظر داخل بيئة العمل.
ولم يعد تمكين الموظف مفهوما نظريا أو برنامجا تدريبيا عابرا يُرفع كشعار تنظيمي في المناسبات، كما لم يعد يقتصر على دورات تدريبية قصيرة تُنفَّذ بمعزل عن واقع العمل اليومي؛ فالتمكين الحقيقي يتطلب تغييرا عميقا في أسلوب الإدارة، وانتقالا من التركيز على الرقابة الصارمة إلى بناء الثقة، ومن إدارة الأفراد بالأوامر إلى إدارتهم بالشراكة والمسؤولية؛ فالتمكين لا يُقاس بعدد الدورات المنفذة، بل بمدى تحوّل الموظف من متلق للتوجيه إلى شريك في القرار وصانع للأثر داخل المؤسسة.
ويتقاطع هذا الفهم مع الهدف الأممي الثامن (SDG 8) المتعلق بالعمل اللائق والنمو الاقتصادي، الذي يؤكد أن تمكين العاملين وتطوير بيئات العمل يمثلان ركيزة أساسية لتحسين الإنتاجية وبناء مؤسسات أكثر كفاءة واستدامة.
ويظهر هذا التحول بوضوح عندما تُمنح للموظف صلاحيات واضحة، ويُشرك في فهم التحديات التي تواجه المؤسسة، والمساهمة في صياغة الحلول المناسبة لها.
كما يتطلب التمكين إعادة النظر في آليات تقييم الأداء، بحيث لا تُقاس كفاءة الموظف فقط بمدى التزامه بالإجراءات، بل بقدرته على الابتكار، وتحمل المسؤولية، وتحقيق نتائج ملموسة.
وفي هذا الإطار، تؤكد الممارسات الحديثة في إدارة الموارد البشرية أن ربط التمكين بالمسار الوظيفي، والحوافز، وفرص التطور المهني، يعزز من دافعية الموظف ويحوّل التمكين إلى ممارسة مؤسسية مستدامة.
كما تجسّد مسابقة الابتكار الحكومي “فِكْرَة” هذا التحوّل، من خلال إتاحة المجال أمام موظفي القطاع الحكومي للتنافس في تقديم اقتراحات تطويرية تُقيَّم وفق معايير مهنية من قبل خبراء ولجان وزارية مختصة، وتعمل الجهات المعنية على إدراج أفضلها ضمن برامج العمل الحكومي، بما يعزز دور الموظف كفاعل حقيقي في مسار التحسين المؤسسي.
وتمثل القيادة منطلق التحول الريادي الحقيقي في مسار تمكين الموظف، إذ لا يمكن لأية مبادرات تمكينية أن تؤتي ثمارها دون قيادة واعية تؤمن بدور الإنسان كقيمة مضافة داخل المؤسسة؛ فالتحول من الإدارة التقليدية إلى القيادة الريادية يتطلب إعادة تعريف وظائف الإدارة الأساسية من التخطيط والتنظيم إلى التوجيه والرقابة، بحيث تتحول من أدوات ضبط إلى أدوات تمكين ودعم وبناء قدرات.
وفي هذا السياق، لم تعد القيادة قائمة على إصدار التعليمات أو مراقبة الأداء فقط، بل أصبحت ممارسة منهجية تهدف إلى فهم احتياجات العاملين، وتحفيزهم، وإشراكهم في صياغة الرؤى واتخاذ القرارات التي تمس بيئة العمل.
ويسهم هذا النهج في تعزيز الثقة المتبادلة، ورفع مستويات الولاء والانتماء، وبناء ثقافة تنظيمية تقوم على المسؤولية المشتركة.
وتشير التجارب الحديثة إلى أن القادة الذين يفسحون المجال للمشاركة في اتخاذ القرار، ويدعمون المبادرات الفردية والجماعية، ينجحون في خلق بيئات عمل أكثر ابتكارا وقدرة على التكيف مع التغيرات المتسارعة.
ورغم التقدم الذي حققته المؤسسات الحكومية في تبنّي مفاهيم التمكين والقيادة الريادية، لا تزال هناك تحديات عدة في مقدمتها عدم تعميم تطبيقات الذكاء الاصطناعي في جميع الدوائر الحكومية؛ الأمر الذي يحدّ من الاستفادة الكاملة من التحليلات المتقدمة ودعم القرار القائم على البيانات.
كما يبرز تفاوت مستوى مواكبة بعض القيادات الوسطى للتطورات الإدارية الحديثة، وهو ما قد ينعكس على وتيرة الابتكار ويقلّص مساحة المبادرة داخل بيئة العمل.
وتضاف إلى ذلك تحديات تتعلق بإدارة التغيير، حيث يتطلب الانتقال من نماذج العمل التقليدية إلى نماذج أكثر مرونة جهدا مؤسسيا مستمرا لبناء الوعي، وتعزيز المهارات، وتهيئة الموظفين للتعامل مع أساليب عمل جديدة، مع الحفاظ على التوازن بين الحوكمة والمرونة.
وفي المحصلة، يؤكد مسار التطوير الذي تشهده المؤسسات الحكومية في البحرين أن تمكين الموظف البحريني، لم يعد برنامجا محدودا أو مبادرة مرحلية، بل رؤية وطنية تتكامل فيها منظومة الريادة التي تنبثق منها القيادة والابتكار والاستدامة لبناء بيئة عمل أكثر مرونة وكفاءة؛ فعندما تُمنح الكفاءات الوطنية الثقة وتُتاح لها أدوات التطوير الحديثة، تصبح قادرة على الابتكار وصنع قيمة مضافة تعزز جودة الخدمات الحكومية.
ومع توسع استخدام التقنيات الرقمية وتزايد الوعي بأهمية تطوير رأس المال البشري، يتأكد أن الاستثمار الحقيقي يبدأ من الإنسان البحريني، وأن تمكينه هو الطريق الأقصر لبناء منظومة حكومية أكثر جاهزية لمستقبل العمل والوطن على حد سواء؛ فالدول لا تُقاس بتقدم أنظمتها فقط، بل بقدرتها على إطلاق طاقات الإنسان فيها وتحويلها إلى أثر تنموي مستدام.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك