مع مرور أكثر من عقد على أكبر موجة خروج للمصريين المعارضين بتنوع خلفياتهم خارج مصر، يتساءل بعضهم عما إذا كانت السلطة راغبة في التعامل بجدّية مع مظالم المصريين في الخارج وتسهيل عودتهم غير المشروطة.
لكن في الحقيقة، يبدو أن هذه السلطة لا تهدف فقط الى ترهيب المصريين في الخارج وردعهم عن ممارسة السياسة، بل يبدو أن هذا النهج يرمي الى اجتثاث قطاع كبير من المعارضين من وطنهم، والقضاء على إمكانية عودتهم.
يكتب الشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي في كتابه" رأيت رام الله": " في المنفى، لا تنتهي القصة، إنها تستأنف.
في المنفى، لا نتخلص من الذعر، إنه يتحول الى خوف من الذعر! ".
غير أن الخوف والقلق في منفى المعارضين المصريين لا يتعلقان بحقيقة أنهم في المنفى في حد ذاته، بقدر ما يرتبطان باستمرار ملاحقتهم واضطهادهم حتى وهم في الشتات.
هذا ما كشف عنه تقرير جديد يعلن عنه المنبر المصري لحقوق الإنسان اليوم الأربعاء في نادي الصحافة في بروكسل، بعنوان" أينما وجدوا" حول استفحال ظاهرة القمع العابر للحدود ضد المصريين في المنافي، والتي استفادت من فوضى المناخ الدولي والإقليمي الحالي، وغياب القيادة الدولية في مجال حقوق الإنسان.
وقد تأسّس المنبر المصري عام 2018 في أوروبا بوصفه منظمة عضوية تضم حقوقيين اضطروا لمغادرة مصر، وقد نال هو وأعضاؤه قسطاً من هذا القمع منذ تأسيسه، فبعضهم لا يستطيع استخراج أوراق هوية، واستُهدف آخرون بأحكام غيابية، أو تعرّضت أسرهم لضغوط، وأحيانا لاعتقالات داخل مصر.
يكشف تقرير المنبر أن تعقب المعارضين في الخارج لا يمثل نهجاً عشوائيّاً، بل ينبع من بنية منظمة تتكامل فيها أذرع القمع الرسمية وغير الرسمية، في إطار سياسة تستهدف الاجتثاث ومنع العودة إلى البلاد.
فمن الناحية السياسية، وفي ظل حالة التصحر السياسي التي تعاني منها مصر داخليا، لا ترغب السلطات في بناء مصالحة شاملة مع قطاع كبير من المصريين الناشطين فعليا في الحقل السياسي، ويشكل استبعادهم خارج الوطن استراتيجية لإبقاء الساحة السياسية تحت السيطرة الكاملة للأجهزة الامنية.
ومن المفارقات أن قمع المصريين في الخارج ازدادت وتيرته مع إطلاق مبادرات إصلاحية شكلية داخل البلاد منذ عام 2022، مثل ما عرف بالحوار الوطني، وهو ما يكشفه التقرير بوضوح.
وبحسب بياناته المستقاة من استبيانات ومقابلات وقاعدة بيانات واسعة، جاء الحرمان التعسفي من وثائق الهوية من بطاقات هوية وجوازات سفر وشهادات ميلاد، للكبار والأطفال وحديثي الولادة في الخارج، في مقدّمة هذه الانتهاكات، وهي ممارسات تعد بمثابة حرمان فعلي من حقوق المواطنة والجنسية، وتتسبّب في شلل كامل لضحايا هذا النوع من التضييق، خصوصاً إذا كانوا مقيمين في دولٍ لا تكفل حق اللجوء السياسي مثل تركيا والبلدان العربية والأفريقية وبعض البلدان الآسيوية.
كما مثل ترهيب الأسر والأقارب داخل مصر صورة أخرى أكثر انتشارا، حيث وثق التقرير حالات عديدة من العقاب بالوكالة بما هي إحدى صور العقاب الجماعي ضد أسر النشطاء، خصوصاً من الشباب.
ويبرز في هذا السياق اعتقال والد الناشط والمدون سيف الإسلام عيد وتعذيبه، عقاباً على توثيقه أوضاع السجون والمحتجزين السابقين، مثالاً واضحاً على هذا النمط من الانتهاكات.
أي مستقبل لدولة مثل مصر، وهي تستثمر مؤسساتها ومواردها في تعقب مواطنيها أينما وجدوا بسبب آرائهم ومواقفهم السياسية؟وقد كشف التقرير عن التحالف والعمل المنسّق بين السفارات والقنصليات المصرية في الخارج وأعضاء ما تعرف باتحادات المصريين في الخارج، التي تسيطر عليها الأجهزة الأمنية والاستخباراتية، لملاحقة النشطاء والتجسّس عليهم في مدن أوروبا، والاعتداء عليهم جسديا في بعض الأحيان، خصوصاً في أثناء زيارات مسؤولين مصريين كبار العواصم الأوروبية الرئيسية.
ومن أخطر ما كشف عنه التقرير سوء توظيف جهاز الإنتربول، الذي يفترض أن يساعد الدول في مكافحة الجريمة، عبر استخدام آلياته لزجّ أسماء معارضين مطلوبين في قضايا رأي ذات دوافع سياسية، بغرض القبض عليهم وتسليمهم من المطارات والحدود التي يصلون إليها.
وقد أدى ذلك بالفعل الى بعض عمليات التسليم، خصوصاً من دول خارج أوروبا لا تراعي الحد الأدنى من معايير العدالة الإجرائية في مثل هذه الحالات.
وليس غريباً أن يتولى من 2021 حتى 2025 منصب رئيس الانتربول اللواء أحمد ناصر الريسي من الإمارات.
أي مستقبل لدولة مثل مصر، وهي تستثمر مؤسساتها ومواردها في تعقب مواطنيها أينما وجدوا بسبب آرائهم ومواقفهم السياسية؟ عندما حاولت شخصيات إصلاحية داخل مصر، في مقدمتهم البرلماني السابق محمد أنور السادات، إطلاق مبادرة لحل مشكلات المصريين في الخارج وتمهيد عودتهم، لم تلق إلا الانتقادات والضغوط حتى أفرغت من محتواها وتوارت تماما.
وعلى الرغم من قسوة المنفى، إلا أنه شكل فرصة ومساحة جديدة لكثيرين من المصريين للمقاومة والتعبير السياسي والفكري والتحول الإيديولوجي.
وربما أهم ما تبعثه مثل هذه التقارير الحقوقية أن مظالم هؤلاء المصريين في المنافي لن تنتهي بانتظار خطوات تتخذها السلطة، بل عبر التحرّك والتنظيم والضغط لاكتساب مساحات وفرص يمكن من خلالها تذكير هذه الحكومة بأن هناك مجتمعات من المصريين تستحقّ أن تُعامل بكرامة واعتبار، وأن حقوقهم أصيلة باعتبارهم مصريين أولا، بصرف النظر عن انتماءاتهم السياسية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك