في اللحظة التي تظن فيها الدول أنها أحكمت سيطرتها على حدودها الجغرافية ومواردها الطبيعية، قد تكون مكشوفة تماما من الداخل.
إن أخطر أنواع الاحتلال في عصور الرقمنة الحديثة لم يصبح احتلال الأوطان، بل “استيطان الوعي”.
لذا؛ فإن الحديث عن “تأميم الوعي المعاصر” في المنطقة لم يعد خيارا ثقافيا، بل أضحى ضرورة أمنية قصوى لاستعادة “المقود الفكري” من يد الأجندات العابرة للحدود.
فلقد سمحنا عقودا طويلة بتدفق أنماط تفكير “مستوردة” تحت لافتات التحديث والتطوير - وكنا وقتها محقين - فكانت النتيجة نخبا تكنوقراطية تفكر بلغة غريبة عن واقعها، ومؤسسات تعليمية تخرّج عقولا “معولمة” تفتقر للحس الجيوسياسي المحلي أو ما أطلقنا عليه سابقا الفكر السيوسوسيولجي.
إن تأميم الوعي - بكل صراحة - مفهوم آيديولوجي يعني وقف الارتهان للمختبرات الفكرية الغربية التي تضع لنا قوالب النجاح والفشل وفقا لمصالحها، لا وفقا لمقتضيات أمننا الوطني؛ فالوعي المعلب له ضريبته في التبعية نفيسة الثمن.
فلا يمكننا بحال من الأحوال الحديث عن وعي مؤمم بينما تكتفي مدارسنا الفكرية والثقافية بتلقين العلوم دون زراعة “الفلسفة الاستراتيجية” في عقول طلابها أو منتجعاتها الفكرية القادمة.
ولا يمكننا القبول بـ “منظمات مجتمع مدني” تستقي قيمها ومعايير عملها من مانحين أو منظمات دولية لها مآرب سياسية في أوطاننا العربية.
والمشهد على الساحة يفي بالعرض والتفحص.
نحن اليوم وفي “حيادية ديكتاتورية علمية” نقول: نحن بحاجة ماسة لمشرط النقد تجاه المؤسسات التي فقدت بوصلتها، والاستئصال.
إن أطروحة “تأميم الوعي” تتطلب إنشاء “أكاديمية للوعي الاستراتيجي” - أسوة بمفهوم ديوان الرقابة الاستراتيجية الذي دعونا إليه منذ سنوات عديدة في “صحيفة الوطن” - تكون هي المرجعية التنفيذية التي تملي على المؤسسات فلسفتها المعاصرة، وتحاصر أي فكر استراتيجي جانح، بحيث تتحول منظومة التعليم من “تلقين” إلى “تحصين”، وتتحول الأنشطة الثقافية من “استهلاك” إلى “إنتاج هوية وطنية معاصرة”.
فمن أكبر الثغرات التي تحتاج إلى “تأميم” صارم وعاجل هي الفضاء الرقمي أو الرقمنة الفضائية - إن صح التعبير - فترك الساحة لـ “المؤثرين” ليقودوا الذوق العام والوعي الجمعي هو انتحار استراتيجي بامتياز.
لهذه الأسباب وغيرها التي اتضحت في عقولنا وفق أدوات البحث والمتابعة؛ فإن “تأميم الوعي” يقتضي إعادة هندسة هؤلاء ليتحولوا إلى “كتائب دبلوماسية ناعمة”؛ فنحن لسنا بحاجة لمشهور يروجُ لسلعة، بل لنخبة تملك “أدوات الردع الفكري” القادرة على تفكيك الشائعات، وتشتيت المواجهات الفكرية، ومواجهة محاولات زعزعة الثقة بالثوابت.
نحن بحاجة ماسة الى تحويل “المؤثر” إلى جندي سيادي دبلوماسي.
وأود أن أقول في أطروحتي هذه إن الهدف النهائي من “تأميم الوعي” هو خلق حوكمة سياسية “ذاتية الحماية”؛ فعندما يكون “الكادر التكنوقراطي” في مفاصل الدولة مشبعا بوعي مؤصل، ستختفي ثقافة “التقليد الأعمى” للنماذج الأجنبية، وسنرى حلولا تنبع من رحم حاجتنا الخليجية؛ فهذا هو الردع الحقيقي والدرع السيادي؛ أن نمتلك نخبا لا يمكن العبث بمقدراتها، وعقولا لا يمكن برمجتها إلا عبر المنصات الوطنية؛ فتلك قضية محورية في مفاصل العقول القادمة؛ فالحوكمة هنا ينبغي أن تكون مظلة سيادة ذهنية بنكهة وطنية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك