عندما كانت حركة التاريخ محكومة بالمنطق والقانون الأخلاقي كان تغوّل عصابات المستوطنين على الأراضي والبيوت الفلسطينية كفيلًا باندلاع انتفاضة شعبية، تبدأ من المسؤول الأوّل عن حلم التحرّر، وهو بدرجة رئيس كيان وجودي اسمه منظّمة التحرير الفلسطينية، ولا تنتهي عند أصغر طفل قادر على رمي المُعتدين بحجر.
كانت عربدة التوسّع الاستيطاني مُفجّرًة أيضاً لغضب عربي يتحرّك في الشوارع ضاغطًا على حكومات كانت لا تزال لديها قدرة على الشعور بالإهانة والتعبير العملي عن ذلك الشعور باتخاذ إجراءات فعلية رادعة.
هذه المرّة ليست المسألة توسيعًا للاستيطان بل إعادة احتلال كامل للضفّة الغربية، بما في ذلك دار الرجل الذي يوصف بأنّه رئيس السلطة الوطنية ورئيس منظمة التحرير والمسؤول عن الدفاع عن الحقوق التاريخية الأصيلة للشعب الفلسطيني على أرضه، من دون أن يُحرّك ساكنًا أو يُسكّن مُتحرّكًا، على الرغم من أنّ تطوّرًا بهذه الخطورة يكفي للدعوة إلى انتفاضة شاملة وإضراب عام في كلّ فلسطين.
لكن كيف والسيد محمود عباس قرّر أن يفني عمره في مقاومة المقاومة الفلسطينية، مسلّحة كانت أم سلمية، وأن يجعل رسالة حياته هي النضال تحت مظلّة التنسيق الأمني مع الاحتلال لإجهاض أيّة فرصة لانتفاض جماهير الشعب الفلسطيني دفاعًا عن وجودها.
هذا التنسيق الأمني بات المفرخة التي تنتج مجموعات من عملاء الاحتلال تنشط ضدّ الشعب الفلسطيني المُقاوم في قطاع غزّة، كما وثّقها التحقيق الذي بثّته" الجزيرة" أخيراً ضمن سلسلة" ما خفي أعظم" والذي قدّم إجابة على سؤال: من أين يأتي العملاء وكيف يتكوّنون، والإجابة ببساطة تقول إنّه في البدء كان التنسيق الأمني مع العدو ثم جاءت العمالة، إذ يكشف التحقيق أنّ المسؤول عن استقطاب العملاء وتجنيدهم وتأهيلهم للاستعمال من العدو في تنفيذ أقذر العمليات ضدّ المقاومة الفلسطينية ضابط سابق في أجهزة أمن السلطة الفلسطينية اسمه شوقي أبو نصيرة.
أيضاً، تسمع في فيديو تعذيب المقاوم الفلسطيني على يد واحد من أفراد المليشيا العميلة للاحتلال الصهيوني في غزّة كلامًا يشبه كلام السلطة الفلسطينية ضدّ المقاومة، إذ يوجه العميل" الدهيني" إهاناته للبطل المقاوم مع كلمات وشتائم له لأنه ومقاومته يخرّبون مسار السلام مع إسرائيل.
معلوم أنّ ثمة مبالغات في تقدير حجم (ودور) مجموعات العملاء التي يحاول الاحتلال تصويرها على أنّها واقع حقيقي في البيئة الفلسطينية، غير أنّها تبقى موجودة وإن كانت بأحجام متناهية في الضآلة وأدوار يجري تضخيمها، إذ يفعل الاحتلال كلّ شيء ثم يترك اللقطة الأخيرة للعملاء، كما جرى في عملية خطف القائد المُقاوم من النفق وتعذيبه أمام الكاميرات.
السؤال الآن ماذا لدى محمود عبّاس لفلسطين إذ يرى الاستيطان واقفًا على باب بيته في رام الله سوى مناشدة الأنظمة العربية القيام بدورها، فتُبادر الأخيرة إلى مناشدة المجتمع الدولي للقيام بدوره والضغط على الاحتلال الذي لا يعبأ بكلّ ذلك؟الشاهد أنّ الوضعية المنطقية الصحيحة هي أن يناشد المجتمع الدولي الدول العربية والإسلامية التي تدّعي الدفاع عن الشعب الفلسطيني لكي تضغط على الاحتلال الصهيوني، من خلال إجراءات عملية تستطيع القيام بها لإيقافه عند حدّه، وخصوصًا تلك الدول المُرتبطة بعلاقات اقتصادية وصفقات تجارية مع الكيان الصهيوني، وهي علاقات عميقة لم يهزّها قتل أكثر من 72 ألف فلسطيني وتنفيذ مئات من الهجمات الاستيطانية التي ترعاها وتقودها في الغالب سلطات الاحتلال.
معضلة ارتهان هذه الدولة بعلاقات اقتصادية وتجارية مع الكيان الصهيوني لا تختلف عن ارتهان سلطة محمود عبّاس للتنسيق الأمني ضدّ المقاومين، الأمر الذي دفع رئيس الدائرة الأمنيّة-السياسيّة في وزارة الحرب الإسرائيليّة، الجنرال المُتقاعد عاموس جلعاد، إلى القول إنّ" السلطة الفلسطينية هي جزءٌ من المنظومة الأمنية الإسرائيلية"، واصفًا التعاون بين السلطة وإسرائيل على مدار السنوات الماضية بأنّه كنز استراتيجي، لما تقدّمه هذه السلطة من خدمات لإسرائيل، تحتّم على الأخيرة العمل على منع انهيارها اقتصاديًا.
هذا الواقع المُشين أكّده عباس شخصيّاً حين أعلن في 2018 أنّ لقاءً شهريّاً غير مُعلن يجمعه برئيس جهاز الشاباك الإسرائيلي، مُعبّراً عن افتخاره بأن التنسيق الأمني بينه وبين جهاز الأمن العام للاحتلال ناجح بنسبة 99%.
من أسف أنّ إسرائيل لا تقتل الشعب الفلسطيني بالقنابل الحرارية التي تذيب الأجساد فقط، بل قبل ذلك بالتنسيق الأمني والتعاون التجاري مع أهل السلطة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك