على مدار عقود طويلة، أثبت المصريون العاملون والمقيمون في الخارج أنهم قوة وطنية حقيقية وسند أصيل للدولة المصرية في أصعب الظروف، فهم لم يغادروا وطنهم يوما من وجدانهم، حتى وإن ابتعدوا عنه جغرافيا، فظلوا أوفياء له، داعمين لاقتصاده، ومدافعين عن صورته، وحريصون على رفع اسـمه في كل المحافل.
ولعل الأرقام الرسمية تؤكد ذلك بوضوح، فتحويلات المصريين بالخارج أصبحت أحد أهم مصادر العملة الصعبة، وتسهم بصورة مباشرة في دعم الاحتياطي النقدي، وتعزيز الاستقرار الاقتصادي، وتخفيف الضغوط عن الموازنة العامة، نحن نتحدث عن عشرات المليارات من الدولارات سنويا، تمثل شريان حياة حقيقيا للاقتصاد المصري، وتعكس حجم الثقة والانتماء الذي يحمله أبناؤنا في الخارج تجاه وطنهم.
لكن وبرغم هذا الدور الوطني والاقتصادي الكبير، ما زال قطاع واسع من هؤلاء المصريين يفتقد مظلة حماية اجتماعية وتأمينية تضمن له حياة كريمة بعد سنوات طويلة من العمل والكفاح، فالكثير منهم يعملون في وظائف بعقود فردية أو أعمال حرة، ولا يتمتعون بأنظمة تأمين مستقرة في الدول التي يقيمون بها، كما أن الاشتراك في نظم التأمينات المحلية داخل مصر لا يزال يواجه تحديات إجرائية وتعقيدات لا تتناسب مع طبيعة حياتهم في الخارج.
من هنا، انطلقت قناعتي بضرورة التحرك تشريعيا لتوفير حل عملي ومستدام، فتقدمت باقتراح برغبة لإنشاء صندوق معاشات للمصريين العاملين والمقيمين بالخارج، ليكون بمثابة شبكة أمان اجتماعي تحميهم وتحفظ كرامتهم، وتؤكد لهم أن الدولة المصرية لا تنسى أبناءها أينما كانوا.
فلسفة هذا الصندوق تقوم على مبدأ بسيط وعادل، من يساهم في بناء اقتصاد بلده، يجب أن يحصل على حماية حقيقية تضمن مستقبله، فمن غير المقبول أن يقضي المواطن سنوات عمره في العمل بالخارج، ثم يعود إلى وطنه دون معاش أو تأمين يكفل له حياة مستقرة، أو يترك أسرته دون سند حال تعرضه لأي ظرف طارئ.
الصندوق المقترح سيكون بنظام مرن واختياري، يتيح للمصريين بالخارج الاشتراك وفقا لظروفهم ومستويات دخولهم، سواء من خلال اشتراكات شهرية أو سنوية، مع إمكانية السداد الإلكتروني من أي دولة، كما سيوفر معاشا مناسبا عند بلوغ سن التقاعد، أو تعويضا في حالات العجز أو الوفاة، بما يحقق الحماية الاجتماعية التي يستحقونها، ولا يقتصر الهدف على البعد الاجتماعي فقط، بل يمتد أيضًا إلى بعد اقتصادي وتنموي مهم.
فاشتراكات الصندوق يمكن استثمارها بصورة آمنة ومدروسة في مشروعات وطنية، بما يحقق عوائد مستدامة تعود بالنفع على المشتركين وعلى الاقتصاد المصري في الوقت نفسه، وبذلك نحقق معادلة متوازنة تجمع بين الادخار الآمن للمواطن ودعم خطط التنمية للدولة.
كما أن إنشاء هذا الصندوق سيعزز الثقة بين المصريين بالخارج ومؤسسات دولتهم، ويشجعهم على استمرار تحويل مدخراتهم عبر القنوات الرسمية، ويعمّق ارتباطهم بوطنهم الأم، باعتبارهم شركاء حقيقيين في مسيرة البناء والتنمية، وليسوا مجرد مصدر تحويلات مالية.
إنني أؤمن بأن الحماية الاجتماعية لم تعد ترفا، لكن حقا أصيلا من حقوق المواطنة، والدولة الحديثة تقاس بمدى قدرتها على رعاية أبنائها في كل المراحل العمرية، وفي كل أماكن وجودهم، والمصري بالخارج لا يجب أن يشعر يومًا بأنه بعيد عن مظلة وطنه أو خارج حساباته.
لذلك، فإنني أدعو الحكومة إلى سرعة دراسة هذا المقترح بصورة عاجلة، وإجراء دراسة اكتوارية متكاملة لضمان استدامته ماليا، ووضع إطار تشريعي وتنفيذي واضح يضمن الشفافية والكفاءة في الإدارة، مع تقديم حوافز تشجيعية لجذب أكبر عدد من المشتركين.
ورسالتي للمصريين في الخارج واضحة: أنتم جزء أصيل من هذا الوطن، وما تقدمونه لمصر محل تقدير وفخر، وواجبنا أن نوفر لكم الأمان الذي تستحقونه، فكما تحملون مصر في قلوبكم، يجب أن تحملكم مصر في سياساتها وقراراتها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك