تعيش أوروبا هذه الأيام مشهداً سينمائياً مرعباً، حيث تمزقت وحدة القارة تحت وطأة تطرف مناخي وضع الملايين بين خيارين أحلاهما مر، الموت غرقاً في الجنوب، أو التجمد حتى النخاع في الشمال، هذا المشهد المأساوي يطرح تساؤلات كبرى حول مستقبل القارة التي باتت منكوبة جغرافياً.
تتعرض إسبانيا لـ فيضانات عارمة بسبب عاصفة مارتا السوداء، فقد اصبحت البيوت التاريخية في حي" ساكرومونتي" باتت معلقة على حافة الانهيار، والسكان يجمعون التوقيعات في صرخة استغاثة أخيرة قبل أن تبتلعهم الأرض الطينية.
117 طريقاً مقطوعاً و6,000 نازح هم مجرد أرقام في تقارير رسمية، لكن خلف كل رقم قصة عائلة فقدت مأواها ومحصولها الذي هو مصدر رزقها الوحيد.
فخ الموت الأبيض وعلى بعد آلاف الكيلومترات شمالاً، المشهد مختلف في اللون لكنه متطابق في الألم، فـ جبال الألب التي كانت مقصداً للسياح، تحولت إلى" مقبرة بيضاء"، والانهيارات الجليدية في النمسا (تيرول) وسويسرا أصبحت تحدث دون سابق إنذار نتيجة تخلخل الطبقات الثلجية بفعل تغيرات مفاجئة في الضغط الجوي، كما أصبحت فرق الإنقاذ الجوي لا تتوقف عن التحليق، لكن الرياح القطبية تجعل من كل عملية إنقاذ مشروع استشهاد للمنقذين أنفسهم.
في ألمانيا، وتحديداً في مقاطعة بافاريا، تحولت الطرق السريعة إلى ساحات خردة ضخمة، " الجليد الأسود" (وهو طبقة شفافة من الجليد تتكون فوق الأسفلت) تسبب في انزلاق أكثر من 50 سيارة في تصادم واحد، مما أدى إلى شلل كامل في حركة التجارة البرية.
أما في السويد والنرويج، فقد دخلت الجيوش على الخط ليس للقتال، بل لتوزيع الأغطية والمؤن على سائقي الشاحنات العالقين في الصحاري الجليدية بعد أن تجمد وقود شاحناتهم داخل المحركات.
ويواجه القلب الأوروبى شلل تام، فقطارات يوروستار وتليساب السريعة توقفت أوتعطلت لساعات طوال، والمطارات في ميونخ وجنيف أصبحت ساحات انتظار كبرى للمسافرين العالقين.
ويؤكد الخبراء يؤكدون أن هذا الاستقطاب المناخي، حيث يشتد المطر جنوباً ويزداد الصقيع شمالاً، هو النتيجة الحتمية للاحتباس الحراري الذي غير مسار التيارات الهوائية فوق الأطلسي.
بين زيارة رئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز، لقرى الأندلس الغارقة، واستنفار حكومات الشمال لإنقاذ المتجمدين، تقف أوروبا اليوم عاجزة أمام طبيعة لم تعد تعترف بالحدود أو التوقعات، إنها ليست مجرد موجة طقس سيء، بل هي هزة أرضية في مفهوم الأمن المناخي الأوروبي، تنذر بأن القادم قد يكون أكثر قسوة إذا لم يجد العالم حلاً لجنون المناخ الذي بدأ ينهش أطراف القارة وقلبها في آن واحد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك