بلغت أحجام التمويل الصيني في دول الخليج مستويات قياسية غير مسبوقة في 2025، حيث قفزت محافظ القروض البنكية الصينية بمعدل يقارب ثلاثة أضعاف، لتصل إلى 15.
7 مليار دولار، بينما اكتفت البنوك الأميركية والأوروبية مجتمعة بتوفير 4.
6 مليارات دولار فحسب للمنطقة في العام نفسه، حسب بيانات رسمية، ما قدم مؤشراً على استراتيجية صينية محدودة الأهداف، تجمع بين المصالح الاقتصادية المباشرة والطموحات الجيوسياسية الأوسع.
وتتمحور دوافع التوسّع البنكي الصيني حول عدة عوامل متقاطعة، حسب تقرير نشرته وكالة بلومبيرغ، منها تأمين إمدادات الطاقة على المدى الطويل، وإيجاد أسواق جديدة لمنتجات الشركات الصينية في فترة يشهد فيها الاقتصاد الصيني نمواً متباطئاً، وتعزيز دور اليوان الصيني عملة دولية في المنطقة.
وتبلغ أسعار الفائدة على القروض الصينية حوالي 5%، وهي أعلى من أسعار المؤسسات الدولية التقليدية، لكنها تعوضها بمزايا إجرائية عملية تشمل تسريع الموافقات، وتقليل متطلبات الضمانات، حسب تقدير نشرته شركة PwC الاستشارية، مشيرة إلى أن هذا الفارق التمويلي ينعكس بشكل مباشر على زخم المشاريع الضخمة في دول الخليج.
ففي السعودية، الدولة الأكثر استقطاباً للاستثمارات الصينية، قفزت حجم العقود الإنشائية الصينية من 5.
9 مليارات دولار في 2023 إلى 18.
9 مليار دولار في 2024، بزيادة تجاوزت 220%، كما أن مشاريع رؤية 2030 الكبرى مثل نيوم استفادت بشكل مباشر من تمويل صيني، لم تكن الخيارات الغربية قادرة على توفيره بالسرعة نفسها والشروط المرنة، حسبما أورد تقرير نشرته منصة Green FDC المتخصصة في تتبع الاستثمارات الخضراء والبنية التحتية.
وفي الإمارات، تجاوز عدد الشركات الصينية العاملة في البلد الخليجي وحده 8000 شركة بأصول استثمارية بلغت 8.
91 مليارات دولار بنهاية 2023، بحسب تقرير PwC، واستقطبت أبوظبي من العقود الصينية عام 2025 نحو 3.
1 مليارات دولار وفقاً لبيانات Green FDC.
وامتد الزخم الصيني نحو تمويل المشاريع الخليجية إلى ما وراء السعودية والإمارات ليشمل باقي دول مجلس التعاون، ومنها سلطنة عمان التي احتلت موقعاً استراتيجياً في حجم التمويل الصيني، حيث تجاوزت الاستثمارات المباشرة الصينية في الخدمات 854 مليون ريال عماني (حوالي 2.
22 مليار دولار) بنهاية الربع الثاني من 2025، حسبما أورد تقرير نشرته وكالة الأنباء العمانية.
وفي هذا الإطار، يشير الخبير الاقتصادي، عميد كلية إدارة الأعمال بالجامعة الأميركية للتكنولوجيا في لبنان، بيار الخوري، لـ" العربي الجديد"، إلى أن القطاع المالي العالمي يشهد تحولاً بنيوياً عميقاً تقوده المصارف الصينية الكبرى، التي تتوسع بخطى متسارعة في أسواق الخليج العربي بدوافع استراتيجية تتجاوز الربحية التجارية التقليدية.
فهذه المؤسسات لا تعمل كجهات تمويل عادية، بل كأذرع سيادية لخدمة طموحات بكين الجيوسياسية، خاصة في إطار مبادرة الحزام والطريق، التي تمثل العمود الفقري لهذا التوسع، وضمن هذا السياق تلعب البنوك الصينية دوراً محورياً في تأمين تدفقات الطاقة وسلاسل التوريد العالمية عبر الموانئ والممرات الاستراتيجية في الخليج، بحسب الخوري.
ويضيف الخبير الاقتصادي أن تدويل اليوان الصيني يشكل ركيزة جوهرية في هذه الاستراتيجية، إذ تسعى بكين إلى تقليل الاعتماد على هيمنة الدولار، من خلال تعميق الروابط المالية مع الدول النفطية الكبرى، وتسهيل تسوية المعاملات التجارية والنفطية بالعملة الصينية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك