ظل مات فوكس، كاتب في مجلة" تايم" الأمريكية، لسنوات يعاني على الطريق من دخول السيارات إلى مساره، وسير قائديها بسرعة بطيئة، ما كان يثير غضبه ويدفعه إلى زيادة سرعته لتخطيهم، لكنه كان يجد نفسه عالقا خلفهم، فيزداد غيظه ويبدأ في الصراخ واستخدام آلة التنبيه بلا جدوى.
يقول فوكس بأسى: " هكذا كنت أستمر في نفاد صبري، وأواصل تعذيب نفسي بلا طائل".
وهو ما علّقت عليه سارة شنايتكر، عالمة النفس في جامعة بايلور بولاية تكساس، بقولها إن نفاد الصبر مشكلة إنسانية عميقة، لكنها اليوم" أكثر صعوبة" بسبب ثقافتنا السريعة التي تركز على" تلبية الاحتياجات فورا"، وتنظر إلى المواقف التي تتطلب قدرا من الصبر على أنها" تعطيل"، لا جزءا أساسيا من نظام الحياة اليومية.
وتضيف شنايتكر أن شعورنا بأننا نستحق" الإنجاز الفوري لأي شيء"، وأن التكنولوجيا قادرة على تحقيق ذلك في أي وقت ودون تأخير، " هو ما يجعلنا نشعر بالإحباط ونفاد الصبر" كلما اصطدمت توقعاتنا بالواقع، سواء على الطريق، أو في بيئات العمل، أو في سائر المواقف التي تتطلب الانتظار، " ما قد يؤثر سلبا في أجسامنا وعقولنا وصحتنا العامة".
في بحثها المنشور عام 2012، صنّفت شنايتكر الصبر إلى ثلاثة أنماط:
الصبر البسيط، ويظهر في التعامل مع مفاجآت الحياة اليومية، مثل انقطاع الإنترنت أو الأعطال المنزلية.
الصبر على مصاعب الحياة، كالتعامل مع تحديات أكبر، مثل الأمراض المزمنة التي تجعل الحياة أكثر صعوبة.
الصبر في العلاقات الشخصية، أو محاولة تحمّل التأخيرات التي يسببها الآخرون، مثل زملاء العمل غير الملتزمين، أو الأطفال الذين يحتاجون إلى وقت طويل وجهد مرهق لارتداء أحذيتهم قبل مغادرة المنزل.
لكن كيت سويني، أستاذة علم النفس في جامعة كاليفورنيا، توضح أن" هناك تداخلا كبيرا بين هذه الأنماط الثلاثة"، بمعنى أن ممارسة الصبر في مجال أو موقف ما قد تترجم إلى زيادة الصبر في مجال آخر.
وتضيف أن" التحلي بالصبر أثناء القيادة في ذروة الازدحام المروري، على سبيل المثال، قد يسهم في تحسين هذه السمة السلوكية في جوانب أخرى من الحياة".
وجدت شنايتكر في بحثها أن" الصبر يؤدي إلى مزيد من المثابرة والتقدم نحو تحقيق الأهداف الأهم"، وأشارت إلى أن الناس عندما يحافظون على هدوئهم في مواجهة العقبات المعتادة، " يقل احتمال تعرضهم للإرهاق"، الذي يُعد المثبط الأكبر لتحقيق الأهداف، " أكثر من ردود الفعل السلبية الأخرى، كالغضب".
وأضافت شنايتكر أن أبحاثا نُشرت عام 2022 أظهرت أن الأشخاص القادرين على الصبر والانتظار" يتمتعون بصحة أفضل، وعمر صحي أطول، من الأشخاص الأكثر نفادا للصبر"، وأن الصبر يرتبط أيضا" بوزن صحي، وتمثيل غذائي جيد، وانخفاض في أمراض القلب".
وفي السياق نفسه، أشارت كيت سويني إلى أن القدرة على الصبر وتأجيل الرغبات قليلا" تساعد الناس على الالتزام ببرنامج رياضي، واتباع نظام غذائي متوازن، والتصرف بوعي أثناء التعافي من المرض أو الإصابة"، وأن الشعور المزمن بنفاد الصبر يؤدي إلى تدهور الصحة النفسية، و" يقلل من الود ومساعدة الآخرين"، وفقا لأبحاث نُشرت عام 2022.
كما وجدت أبحاث أشرفت عليها سارة شنايتكر، ونُشرت عام 2021، أن" الصبر يرتبط ارتباطا وثيقا بالمشاعر الإيجابية، كما يرتبط بانخفاض خطر الانتحار".
يُرجع علماء النفس صعوبة الحفاظ على حالة التحلي بالصبر طوال الوقت إلى ما يُعرف بـ" الانحياز الفطري للحاضر"، أي أن أدمغتنا مبرمجة على الرغبة في الحصول على الأشياء" الآن، وليس لاحقا".
كما كشفت دراسة حديثة أجرتها جامعة ستانفورد أن" الدماغ يتعامل مع الانتظار والصبر كتهديد بالمعنى الحرفي"، إذ تنشط مناطق الإحساس بالألم في الدماغ عندما نُجبر على الانتظار والتحلي بالصبر.
لكن الباحثين أكدوا في عام 2024 أن" الصبر مهارة يمكن اكتسابها بالممارسة"، واقترحوا عددا من الطرق العملية للحد من نفاد الصبر، من بينها:
رغم أن التكنولوجيا تساعدنا على تسريع بعض المهام، فإن بيئتنا المعاصرة تدفعنا إلى طلب المزيد من الإنجاز طوال الوقت، ما يعيق قدرتنا على التحلي بالصبر.
والنتيجة هي" الشعور السائد بضيق الوقت، والذي قد يتسبب في نفاد الصبر"، بحسب كاسي هولمز، أستاذة اتخاذ القرارات السلوكية في جامعة كاليفورنيا.
وتنصح هولمز بوضع توقعات واقعية تساعد على تعزيز الصبر والرضا عن التقدم والإنجاز، وتجنب" مقارنة أنفسنا بالإنجازات المهنية والشخصية المثالية، والصور المبالغ فيها" على وسائل التواصل الاجتماعي، وما قد تسببه من" شعور بالتخلف عن الركب وتأجيج نفاد الصبر".
من الطرق الفعالة لاكتساب المزيد من الصبر" التفكير بشكل بنّاء والتركيز على التعاطف".
فعلى سبيل المثال، تقول شنايتكر: عندما أكون خلف سائق بطيء، يمكنني البحث عن تفسيرات إنسانية لبطء سرعته، " فقد يكون مسنا ضعيف البصر يحاول الوصول بأمان إلى عيادة الطبيب".
ويشير موقع" كليفلاند كلينك" إلى أن" ممارسة الصبر خلال المصاعب الصغيرة في الحياة تنمّي قدرتك على التحمل عند ظهور المشكلات الأكبر".
فالتعود على إفساح الطريق لسيارة أمامك في زحمة المرور، قد يساعدك على تقبّل فكرة التمهل والصبر.
كما لاحظت كيت سويني أن الناس يكونون أكثر قدرة على تحمّل الانتظار" إذا فكروا بطرق تعزز شعورهم بالسيطرة والتعامل بهدوء".
وتشير إلى أن" التركيز على القدرة على التحكم وممارسة التفاؤل، بدلا من الشعور بالإلحاح، يحسّن الصحة النفسية، ويجعلنا أكثر استعدادا للصبر الهادئ، مهما كانت النتيجة".
3.
حافظ على اليقظة الذهنية دائما.
تنصح سويني بالاستمتاع باللحظة والتحلي باليقظة الذهنية (مهارة يحتاجها الشخص ليُصبح أكثر تركيزا على الواقع، وأكثر وعيا بجسمه وبيئته ومشاعره دائما)، ومحاولة العثور على جانب إيجابي إن أمكن؛ بدلا من" الغيظ بشأن ما لا يمكن فعله، عندما تكون عالقا في انتظار ما".
وتقول آمي إيرمان، المحاضرة في جامعة أوكلاند للتكنولوجيا في نيوزيلندا، " إن اليقظة الذهنية تقلل من اندفاعنا، وتبطئ من شعورنا بضغط الوقت، كما يمكن أيضا للتأمل أن يقلل من الاجترار الفكري، الذي يُغذي نفاد الصبر".
4.
إدراك ما يمكنك – وما لا يمكنك – التحكم فيه.
عندما ينفد صبرك لأي سبب، عليك أن تدرك" متى يمكنك تغيير ظروفك، ومتى لا يمكنك ذلك".
فعلى سبيل المثال: إذا كانت الفوضى في منزلك تُزعجك، فضع خطة للتخلص منها تدريجيا؛ وإذا كان شريك حياتك يُثير أعصابك، فتحدث معه بصراحة.
أما إذا كان طابور المرور يتحرك ببطء شديد، فقد لا يكون بإمكانك فعل شيء لتغيير ذلك، و" فقدان أعصابك لن يُسرّع خروجك من المأزق"؛ فمن الأفضل أن" تتقبل الأمر كما هو".
عندما تشعر بالتوتر، قد تجد صعوبة في الصبر والاستماع إلى الآخرين، ويدفعك نفاد صبرك إلى مقاطعة محدثك للرد على ما يقول قبل أن يُنهي كلامه.
والأفضل أن تركز على الشخص الذي تتحدث معه، بأن" تضع هاتفك جانبا، وتجلس بجواره وتنظر إليه، وتفهم ما يقوله، ثم تطرح أسئلتك، وتبقى منتبها للرد".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك