العلاقة بين مصر والجزائر ليست علاقة ظرفية ولا نتاج لحظة سياسية طارئة، بل هي علاقة تشكَّلت عبر تاريخ طويل من التفاعل والتكامل والتلاقي في الرؤى، منذ دعم القاهرة للثورة الجزائرية في خمسينيات القرن الماضي، مرورًا بتطابق المواقف في قضايا التحرر الوطني وعدم الانحياز ومواجهة الاستعمار الجديد، وصولا إلى اللحظة الراهنة التي تشهد عودة الدولة الوطنية كفاعل مركزي في مواجهة الفوضى، والإرهاب، وتفكيك الدول، ومحاولات إعادة رسم الخرائط تحت عناوين زائفة.
حين يتحدث الرئيس الجزائري بإيجابية ووضوح عن مصر، فإنه لا يستحضر فقط دولة شقيقة، بل يستدعي ثقلًا استراتيجيًا ممتدًا عبر الجغرافيا والتاريخ والسياسة.
مصر التي تمثل قلب المشرق العربي، والجزائر التي تمثل عمق المغرب العربي، هما جناحا التوازن في الفضاء العربي الإفريقي، وأي خلل في أحدهما ينعكس بالضرورة على منظومة الأمن الإقليمي ككل.
وتكتسب أهمية الرد المصري الإيجابي من كونه لم يكن خطابا إنشائيًا، بل تأكيدًا واعيًا على إدراك مشترك لمسؤولية مزدوجة، تجاه الداخل الوطني من جهة، وتجاه الإقليم والقارة من جهة أخرى، في زمن باتت فيه الأدوار الكبرى لا تدار بالشعارات، بل بحسابات دقيقة وتوازنات معقدة.
الأرقام هنا ليست تفصيلًا ثانويًا، بل مدخل أساسي لفهم الوزن الحقيقي للدولتين؛ فمصر والجزائر تمثلان معًا ما يقرب من 200 مليون نسمة، أي نحو 40 في المئة من سكان العالم العربي، وتمتلكان أحد أقوى الجيوش في المنطقة، بإنفاق عسكري سنوي يتجاوز 20 مليار دولار لمصر ونحو 10 مليارات دولار للجزائر، إلى جانب قدرات تسليحية متنوعة، وشبكات علاقات عسكرية وأمنية ممتدة مع قوى دولية وإقليمية.
هذا الثِّقل العسكري لا يستهدف الهيمنة، بل يشكل صمام أمان في محيط يعاني من هشاشة أمنية مزمنة، تمتد من ليبيا والساحل الإفريقي إلى القرن الإفريقي، مرورا بحوض المتوسط وملفات الهجرة غير النظامية والإرهاب العابر للحدود.
اقتصاديا، وعلى الرغم من التحديات، تمتلك الدولتان مقومات تكامل حقيقية ما تزال دون استغلال أمثل؛ فالناتج المحلي الإجمالي لمصر يقترب من 450 مليار دولار، بينما يتجاوز نظيره الجزائري 250 مليار دولار.
وتملك الجزائر واحدًا من أكبر احتياطيات الغاز في إفريقيا، في حين تمتلك مصر بنية تحتية لوجستية وصناعية متقدمة، وقناة السويس كممر عالمي يمر عبره أكثر من 12 في المئة من التجارة الدولية.
ومع ذلك، لا يزال حجم التجارة البينية بين البلدين محدودا ولا يتناسب مع الإمكانات ولا التاريخ ولا الطموح، وهو ما يكشف عن فجوة حقيقية تحتاج إلى إرادة سياسية واقتصادية مشتركة لسدها، عبر تفعيل مجلس الأعمال المشترك، وتشجيع الاستثمارات المتبادلة، وفتح مسارات لوجستية مباشرة، خصوصا باتجاه الأسواق الإفريقية الواعدة.
سياسيا، تشترك القاهرة والجزائر في رؤية حذرة تجاه التدخلات الخارجية، ورفض منطق الوصاية، والتمسك بمبدأ الحلول الوطنية للأزمات الإقليمية.
وقد تجلى هذا التلاقي بوضوح في الموقف من ليبيا، حيث دعمت الدولتان مسارًا سياسيًا يفضي إلى دولة موحدة ومؤسسات وطنية، ورفضتا عسكرة الصراع، أو تحويله إلى ساحة صراع بالوكالة.
كما يبرز هذا التوافق في التعاطي مع أزمات الساحل والصحراء، حيث تمثل الجزائر عمقا جغرافيا وأمنيا بالغ الأهمية، بينما تمتلك مصر خبرة مؤسسية ودبلوماسية متراكمة في إدارة ملفات الأمن الإفريقي والعمل متعدد الأطراف.
وعلى مستوى القارة الإفريقية، تمثل مصر والجزائر ركيزتين أساسيتين داخل الاتحاد الإفريقي، سواء من حيث المساهمة السياسية، أو المشاركة في عمليات حفظ السلام، أو صياغة الأجندات التنموية.
مصر التي قادت الاتحاد الإفريقي في 2019، ودفعت بقوة نحو الربط بين الأمن والتنمية، والجزائر التي أدت أدوارًا محورية في الوساطة وحل النزاعات، يمكنهما معًا تشكيل محور إفريقي عربي قادر على إعادة التوازن داخل القارة، في ظل تنافس دولي محموم، وحضور متزايد لقوى كبرى تسعى إلى النفوذ دون شراكة حقيقية.
الأهم من كل ما سبق، أن الخطاب المتبادل بين القيادتين يعكس لغة احترام متبادل، ووعيًا بأهمية البناء لا الاستقطاب، والتكامل لا التنافس السلبي.
وهو خطاب يحتاج إلى ترجمة عملية عبر آليات مؤسسية واضحة، وبرامج تعاون محددة، وتبادل خبرات في مجالات الطاقة، والبنية التحتية، والأمن الغذائي، والصناعات الدفاعية، والتعليم، والثقافة، بما يعيد للعلاقة المصرية الجزائرية زخمها الطبيعي، ويجعلها رافعة استقرار حقيقية لا مجرد عنوان تاريخي.
وفي زمن تتآكل فيه الكيانات الضعيفة، وتنجو فيه الدول ذات الرؤية الواضحة والإرادة الصلبة، تبدو القاهرة والجزائر مدعوتين أكثر من أي وقت مضى إلى تحويل هذا التقارب السياسي إلى شراكة استراتيچية شاملة، تدرك أن ما يجمعهما أكبر بكثير مما يفرقهما، وأن ثقل الجغرافيا حين يقترن بثقل القرار، يصبح قادرًا على إعادة رسم معادلات الإقليم، لا بالضجيج، بل بالفعل الهادئ المتزن.
وفي المحصلة، لا تمثل تصريحات الرئيس تبون ورد الرئيس السيسي عليها مجرد لحظة ود عابرة، بل تعبيرًا عن إدراك عميق بأن المستقبل لا تصنعه الدول المنعزلة، ولا الكيانات الهشة، بل تصنعه الشراكات الكبرى بين الدول التي تعرف وزنها، وتدرك مسؤوليتها، وتملك شجاعة الفعل الهادئ في زمن الاضطراب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك