فى كل واقعة تحرّش، يظهر صوت مألوف، واعظ بلا منبر، يقول بثقة زائفة:
لا يُقال هذا السؤال بحثًا عن الحقيقة، بل هروبًا منها.
لا لإدانة الجريمة، بل لتبرئة الجانى، وتحميل الضحية وزر اعتداء لم ترتكبه.
بهذه الجملة القصيرة، لا يُدان المتحرش بل تُدان المرأة.
وقد تكرّر هذا المشهد مؤخرًا، حين ظهر شاب متهم بالتحرّش فى مقطع متداول على وسائل التواصل الاجتماعى، يواجه من تتهمه بقوله: «شوفى إنتِ لابسة إيه»، وكأن الجريمة لا تُقاس بالفعل، بل بالملابس.
ربط التحرش بملابس الفتاة هو إعلان صريح- أو ضمنى- أن الرجل كائن عاجز عن ضبط نفسه، مسلوب الإرادة، تحرّكه الغريزة لا العقل.
وهذا ليس دفاعًا عن الأخلاق، بل إهانة للرجل قبل أن يكون ظلمًا للمرأة.
فإذا كانت «الشهوة» عذرًا، فلماذا يُحاسَب السارق؟ألم يرَ مالًا؟ ولماذا يُدان المرتشى؟ ألم تُعرض عليه الفرصة؟التحرش ليس «ضعفًا بشريًا»، بل قرار واعٍ بالاعتداء.
والدليل القاطع على زيف الربط بين التحرش وملابس النساء أن التحرش يحدث: للمحجبات والمنتقبات وللأطفال وداخل البيوت وفى وسائل المواصلات وأحيانًا فى محيط أماكن العبادة.
فهل كانت الطفلة «مستفزة»؟ أم أن المشكلة ليست فى القماش بل فى العقل؟ ومن المؤسف حقًا أن يُستدعى الدين هنا ليكون ستارًا أخلاقيًا زائفًا.
بينما النصوص الدينية، فى جوهرها، واضحة وحاسمة: المسؤولية كاملة على من نظر، ومن لمس، ومن اقتحم حدود الآخر.
الدين لم يقل يومًا: «إن تعرّت المرأة سقطت حرمتها».
بل قال: لا تنظر، لا تلمس، لا تعتدِ.
تحويل الدين إلى أداة لتأنيب الضحية هو تشويه متعمّد للإيمان، لا دفاع عنه.
وحين يصمت المتدينون، أو يبرّرون، أو يلومون الضحية بحجة «الستر»، فهم يرسلون رسالة خطيرة تقول إن المتحرش آمن.
والضحية وحدها فى المواجهة.
هذا الصمت لا يحمى المجتمع، بل يحمى الجانى.
القانون لا يسأل: «الفتاة كانت لابسة إيه؟ » بل يسأل سؤالًا واحدًا: ماذا فعل المتحرش؟ وأى مجتمع يستبدل القانون بالوعظ، والعدالة باللوم، يفتح الباب لانفجار أخلاقى قادم.
لباس الفتاة أيا كان ليس دعوة للتحرش.
التحرش هو دعوة لانهيار القيم، وسقوط الرجولة، وفضيحة أخلاقية للمجتمع كله.
ومن يقول للضحية: «شوفى إنتِ لابسة إيه» يقول للمتحرش- دون أن يدرى:
افعل.
سنجد لك مبررًا.
وتبرير التحرش لا يقل إجرامًا عن فعل التحرش نفسه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك