لا يمكن الحديث عن معرض دمشق الدولي للكتاب الذي يتواصل حتى السادس عشر من الشهر الجاري، دون استدعاء ذاكرة سياسية وثقافية للتظاهرة التي غدت محلية، بسبب الظروف التي عاشتها البلاد لأكثر من ثلاثة عشر عاماً.
تعود دور النشر العربية والأجنبية إلى العاصمة السورية مع غيرها من الهيئات الثقافية الحكومية، وتحلّ السعودية وقطر ضيفي شرف، ويعكس اختيارهما بعداً سياسياً أيضاً.
ولعل التوضيح المحتمل لعدم إعطاء الدورة الحالية رقماً، كما جرت العادة في المعارض السابقة، يتجاوز أنها أول دورة للمعرض بعد سقوط نظام الأسد، كما في التفسير المباشر، ليتكثف التوضيح بما جرى التعبير عنه في الكلمات الرئيسية في الافتتاح.
في مدينة المعارض بالعاصمة السورية، تشارك خمسمائة دار نشر مشاركة عربية وأجنبية من 35 بلداً، تعرض مائة ألف عنوان، تستحوذ المؤلفات الدينية والتراثية على نسبة وازنة منها، بالموازاة مع فعاليات موزعة على أيام المعرض الممتدة 11 يوماً، تحت شعار" تاريخ نكتبه تاريخ نقرأه" مع تصميم على شكل أربعة رُقم حجرية، بوصفه تعبيراً عن حضارة أوغاريت التي قدمت أول أبجدية مكتوبة في التاريخ قبل ستة آلاف عام.
غياب العنصر النسائي في كوادر المنظمين والمشاركين في الافتتاح.
بعكس بعض التوقعات غير المتحمسة، والناجمة عن انقطاع معرض دمشق خمس سنوات سابقة، واعتبار وزارة الثقافة الحالية ناشئة حديثاً، بما يجعلها تفتقر للخبرات في تنظيم المعارض، فإن ناشرين مشاركين وزواراً عديدين مطلعين على معارض شبيهة، أبدوا ارتياحهم لمستوى التنظيم الحالي والخدمات المقدمة، والتعامل السلس بما يلبي احتياجات العارضين، والسلاسة في إدخال الكتب، وتخفيف القيود الرقابية إلى درجة التلاشي.
وأكدت الأخبار المتقاطعة من الوزارة ومن دور النشر، وحتى من الزوّار، أن الرقابة على المطبوعات الواردة إلى المعرض كانت رقابة صفرية، وأن الوزارة لم تمنع أي من الكتب الوافدة، ما عدا كتاب" هل أتاك حديث الرافضة.
" الذي يضمّ نصوص تسجيلات صوتية لأبي مصعب الزرقاوي وهو ما عده البعض منعاً مستحسناً.
وفيما احتفى فريق بهذه الخطوة واعتبرها مكتسباً يجسّد التوجه نحو حرية التعبير والسماح بالتعدديات الفكرية، خلافاً للعهد الماضي الذي كان يضع اشتراطات صارمة، ويمنع كل التوجهات والعقائد المناقضة أو الناقدة له، رأى فريق آخر أن الحرية في هذا المستوى تشكّل نوعاً من التواطؤ باتجاه السماح أيضاً للكتب السلفية التي تجد أرضاً خصبة في الواقع السوري الراهن، مما يهدد مفهوم الحرية ذاتها، ويساهم في نشوء وتجذر التيارات المتطرفة التي تغذيها هذه المطبوعات من وجهة نظرهم.
وبالرغم من أنها ظاهرة موجودة في جميع المعارض، لكن الحالة السورية لها خصوصية بالنظر إلى نفوذ التيارات السلفية.
وأبدى الزوّار المحليون ارتياحهم الشديد للتنظيم المتعلق بتوزيع المساحات والممرات والفضاء العام، وسهولة التجول في المعرض، وتأمين المواصلات المجانية المتاحة على مدار الساعة من وإلى المعرض، وتأمين مواقف السيارات، بالإضافة إلى التعامل اللائق لكادر التنظيم مع العارضين والجمهور الذي تجاوز في اليوم الأول مستوى أربعين ألف زائر، وتبدو مؤشرات الإقبال الجماهيري مبشّرة مع استمرار الطقس بحالته المعتدلة في الأيام المقبلة.
ثمة ملاحظات جوهرية لا يمكن إغفالها، منها غياب العنصر النسائي في كوادر المنظمين، وضمن المشاركين في افتتاح الدورة، وهو تساؤل يأخذ مشروعيته نتيجة حدوثه في فعاليات رسمية أخرى، مما يطرح أسئلة حقيقية عن نظرة حكام سورية الجدد إلى المرأة، مع تكريس تغييبها عن المشهد العام، الذي تحول إلى نمط، بما يحمل من دلالات تهميش جندري أو إقصاء.
كما يرى آخرون أن التنوع في جمهور المبدعين المشاركين في الفعاليات الثقافية لم يرقَ إلى المستوى المطلوب، وأن معظم المدعوين ينتمون إلى لون واحد، إلا أن من السابق لأوانه الحكم النهائي على المعرض، لاعتبارات تتعلق بمعايير النجاح المختلفة لكل طرف، من المنظمين والمشاركين، وخصوصاً مع الأزمة الاقتصادية، وضعف القوة الشرائية للسوريين بشكل كبير، ما يفسّر عزوف بعض دور النشر العربية عن المشاركة، في ظلّ عدم حماس الجمهور السوري لاقتناء الكتب، بغض النظر عن تعطّشه للاطلاع على الإبداع المحلي والعربي والعالمي، وعلى الرغم من أن عدداً من دور النشر العربية قدمت تخفيضات بلغت خمسين بالمائة، لكن الدخل المتدني لمعظم السوريين لا يشجّع رغم ذلك، إنما هي مبادرات تستقي أهميتها من البعد الرمزي.
ربما تفرض المقارنة نفسها ليس فقط مع معارض الكتب التي كان يقيمها النظام السابق، بما تحويه من فعاليات ثقافية، وإنما مع المعارض الكبيرة والمستقرة في بلدان المحيط العربي، وأول ما يستدعي المقارنة ذلك العدد الكبير من الأنشطة المصاحبة، والتي تصل إلى 650 نشاطاً، ولا يمكن التوقف في عنصر المقارنة على بعده الكمي، وإنما يتعداه إلى العامل النوعي، حيث تطالعك قريباً من المدخل الرئيسي الصور الرمزية التي تعبر عن المقارنة بين الزمنين، وإعلان انتهاء زمن كم الأفواه، والكلمة الممنوعة، وانطلاق عهد الحريات، ولعل أبرز تجليات ذلك المتغير هو تخصيص جناحٍ كردي يتضمن مطبوعات ووثائق نادرة باللغة الكردية، للمرة الأولى في تاريخ معرض دمشق الدولي للكتاب.
من جانب دور النشر المشاركة في المعرض، هناك مؤشر آخر لا يقل أهمية، وهو عودة دور نشر سورية من منفاها، وعلى رأسها: المتوسط، وموزاييك، وممدوح عدوان، والإعلان الرسمي عن دورة بلا منع ورقابة.
الملاحظ أن غالبية الأنشطة يشارك فيها كتاب سوريون، وهذا قد يكون متفهماً بالنظر إلى تكلفة استقدام ضيوف أجانب، ويشفع للمعرض حرصه على التنوع في الفعاليات المدرجة، على امتداد أيامه، بين ندوات فكرية وثقافية، وأمسيات أدبية، وأنشطة فنية وموسيقية، وعروض مسرحية، ورقص شعبي وفولكلور، وفعاليات للأطفال؛ يشارك في بعضها المسرح المدرسي التابع لوزارة التربية، كما تشارك الحافلة الثقافية التابعة لوزارة الثقافة في جناح الطفل، وتقدم نموذجاً مختلطاً من الكتاب الورقي والتقنيات التفاعلية الحديثة، بالإضافة إلى حفلات توقيع للكتب التي تقوم بها دور النشر لمؤلفي كتبها، حيث خصّصت إدارة المعرض الصالات الأوسع للأنشطة الأكثر إقبالاً وجماهيرية.
ومن فعاليات معرض الكتاب في دورته الاستثنائية إطلاق سبع جوائز ثقافية في مجالات الإبداع للناشر السوري والإبداع للشباب، إضافة إلى مبادرة" كتابي الأول"، التي تهدف إلى نشر مائة عنوان دعماً للمواهب الأدبية الجديدة، كما يطلق المعرض مبادرة بعنوان" زمالة دمشق للترجمة"، تستهدف إحياء الخطة الوطنية للترجمة لدى الهيئة السورية العامة للكتاب، بالتعاون مع اتحاد الناشرين السوريين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك