من السهل أن تكون محللًا… ومن الصعب أن تكون صاحب تجربة…(الخبرة لا تشرح ولكن تعاش ) جو 24 : كتب وسام السعيد - من السهل أن تكون محللًا اقتصاديًا، أن ترسم الأسهم، وتقرأ المؤشرات، وتتنبأ بالصعود والهبوط… لكن الأصعب أن تفهم التجارة، وأن تعيش تقلباتها، وأن تعرف متى تشتري ومتى تصبر ومتى تنسحب، فالتجارة ليست أرقامًا فقط، بل أعصاب، وتوقيت، وخبرة تُدفع ثمنها من العمر والمال.
ومن السهل أن تكون محللًا رياضيًا، تقرأ المباراة بعد انتهائها، وتشرح الأخطاء من خلف الشاشة، لكن الموهبة الحقيقية تُقاس داخل الملعب، حيث القرار في جزء من الثانية، والضغط، والخوف، والجمهور، وهناك فقط يُولد اللاعب… لا المحلل.
ومن السهل أن تكون محللًا عسكريًا، أن تضع الخطط على الورق، وتعيد ترتيب الجبهات بالكلمات، لكن القتال الحقيقي يحتاج شجاعة، وثباتًا، وقدرة على اتخاذ القرار تحت النار، فالخرائط لا تنزف… والنظريات لا تُصاب.
ومن السهل أن تكون محللًا نفسيًا، أن تُشخّص الآخرين، وتفسر سلوكهم، وتربط أفعالهم بالماضي، لكن فهم النفس البشرية حقًا يبدأ حين تواجه نفسك، خلجاتها، ضعفها، تناقضاتها، وهزائمها الصامتة.
ومن السهل أن تكون محللًا اجتماعيًا، أن تنتقد المجتمع، وتُحمّله مسؤولية التفكك والضياع، لكن تكوين أسرة متماسكة، وتربية إنسان سوي، وبناء بيت قائم على الصبر والرحمة، هو التحدي الحقيقي الذي لا تنجح فيه التحليلات وحدها.
ومن السهل أن تكون محللًا سياسيًا، تعلّق على القرارات، وتوزّع الاتهامات، لكن تحمل المسؤولية، واتخاذ القرار في الوقت الخاطئ وبالظرف الأصعب، هو ما لا يظهر في الاستوديوهات.
ومن السهل أن تكون محللًا دينيًا أو أخلاقيًا، أن تعظ الناس وتُحصي أخطاءهم، لكن الالتزام الحقيقي يظهر في الخلوات، وفي العدل عند الغضب، وفي الصدق حين يكون الكذب أسهل.
نحن نعيش في زمن كثر فيه المنظّرون، وقلّ فيه أصحاب التجربة، فالتحليل لا يكلّف شيئًا، أما الفعل… فيكلّفك الوقت، والسمعة، والجهد، وأحيانًا الألم.
ليس كل من فهم الشيء قادرًا على ممارسته، وليس كل من حلّل التجربة عاشها، فشتّان بين من يتحدث عن البحر… ومن ابتلّت قدماه بالموج.
الخبرة لا تُشرح… بل تُعاش.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك