الجزيرة نت - اليابان تطالب إيران بإطلاق سراح أحد مواطنيها على الفور سكاي نيوز عربية - بسبب توترات الشرق الأوسط.. أستراليا تصدر تحذيرات وتوجيهات الجزيرة نت - حين تصبح قوة الذكاء الاصطناعي سببا لرفضه.. جيل يسبح عكس التيار العربية نت - هل تؤثر أحداث العنف في المكسيك على كأس العالم؟ إنفانتينو يكسر صمته القدس العربي - فايننشال تايمز: إيران ليست فنزويلا وعلى ترامب التعلم أولا من الدروس الكارثية في العراق وأفغانستان العربية نت - عن الغرب وتعدد النظريّات النقديّة الجزيرة نت - إسرائيل.. أزمة تضرب سوق الغاز وتضع أمن الطاقة في خطر التلفزيون العربي - صاروخ صيني نوعي ينضم للترسانة الإيرانية القدس العربي - الغارديان: خطاب حالة الاتحاد أطول وأقل الخطابات الرئاسية قيمة في التاريخ.. أزبد ترامب وأرعد ولم يقدم جوهرا سكاي نيوز عربية - "أميركا أفضل حليف".. ساعر يرحب بقرار الخدمات القنصلية
عامة

عندما فر الطاغية: سقوط بشار الأسد وكواليس اللحظات الأخيرة

تلفزيون سوريا
تلفزيون سوريا منذ أسبوعين

في ليلة 7 كانون الأول 2024، انتهى حكم بشار الأسد فجأة، تاركًا وراءه دولة منهارة وحاشية مذهولة. بعد سنوات من القمع والتعذيب والسيطرة المطلقة، اختار الأسد الهرب تحت جنح الظلام، تاركًا الشعب السوري يواجه...

ملخص مرصد
في 7 كانون الأول 2024، انتهى حكم بشار الأسد فجأة بعد سنوات من القمع، حيث فر هارباً بطائرة روسية تحت جنح الظلام دون إبلاغ معاونيه، تاركاً وراءه دولة منهارة وحاشية مذهولة. كشفت السرديات عن الأيام الأخيرة له عن غروره وضعفه وعجزه عن قراءة الواقع، مما يضع سقوطه ضمن إطار درس قديم حول هشاشة الحكم الوراثي والاستبداد.
  • فر بشار الأسد بطائرة روسية في 7 كانون الأول 2024 دون إبلاغ معاونيه
  • تحول ولاء آلاف الناس إلى غضب عارم بعد اكتشاف خيانته وهروبه
  • سقوط نظام الأسد كشف ضعف الجيش المنهك والفاسد بعد انسحاب داعميه
من: بشار الأسد أين: سوريا متى: 7 كانون الأول 2024

في ليلة 7 كانون الأول 2024، انتهى حكم بشار الأسد فجأة، تاركًا وراءه دولة منهارة وحاشية مذهولة.

بعد سنوات من القمع والتعذيب والسيطرة المطلقة، اختار الأسد الهرب تحت جنح الظلام، تاركًا الشعب السوري يواجه فراغ السلطة والفوضى.

ما كشفته السرديات عن الأيام الأخيرة له يسلط الضوء على غروره، وضعفه، وعجزه عن قراءة الواقع، ويضع سقوطه ضمن إطار درس قديم حول هشاشة الحكم الوراثي والاستبداد.

يقدم موقع تلفزيون سوريا ترجمة هذه المادة التي نشرتها مجلة ذي أتلانتيك الأميركية العريقة ضمن إطار رصد ملفات محاسبة الأسد، من دون أن يعتبر ذلك تبنياً لرأي المجلة أو تماهياً مع موقفها إزاء سوريا.

وفيما يلي ترجمة موقع تلفزيون سوريا لهذه المادة التي كتبها الصحفي روبرت ف.

وورث:

بعض الطغاة يسقطون وهم يقاتلون، وبعضهم يُسحلون ويُعلّقون حتى يبصق ضحاياهم عليهم، وبعضهم يلفظ أنفاسه على فراشه.

أما بشار الأسد الذي كانت عمليات التعذيب والقتل التي طالت الآلاف من أبناء جلدته في سوريا تتم تحت إشرافه على مدار ربع قرن أمضاها في السلطة، فقد أضاف شيئاً جديداً لسجل الطغيان، إذ مع اقتراب الثوار من دمشق في السابع من كانون الأول عام 2024، طمأن الأسد معاونيه وأتباعه من اقتراب ساعة النصر، ثم فر هارباً تحت جنح الظلام بطائرة روسية من دون أن يخبر أحداً بذلك.

أتذكر بأنني قرأت بياناً صدر في الليلة نفسها ليعلن بأن الأسد مايزال في القصر يمارس" مهامه الدستورية".

غير أنه خدع حتى معاونيه الخلص الذين كان عليهم أن يفروا من البلد بأي طريقة ممكنة عندما أضاءت الفصائل الثورية سماء البلد بنيران الرشاشات والبنادق احتفالاً برحيل الأسد.

أتت خيانة الأسد ممزوجة بجبنه لدرجة مذهلة جعلت بعض الناس يعجزون عن تصديق ما فعله في بداية الأمر.

وعندما استحال تكذيب الحقائق، تحول ولاء آلاف الناس إلى غضب عارم في لحظة، فصار معظمهم يقسمون بأنهم كانوا يكرهونه بالسر، تماماً كما يقول المثل العربي عن هذه الحالة بالضبط: (إذا وقعت البقرة كثرت سكاكينها).

غير أن تلك المشاعر التي أبداها كثيرون كانت حقيقية، وكذلك اعتقادهم بأن الأسد هو المسؤول الوحيد عن كل شر حل بالبلد، إذ مثلاً يقول إبراهيم حميدي وهو صحفي ومحرر سوري: " حتى الآن، بوسعك أن تجد أشخاصاً يصدقون معمر القذافي وصدام حسين، إلا أن أحداً لم يصدق بشار الأسد، حتى شقيقه".

أنهى الانهيار المفاجئ لنظام الأسد دولة بوليسية متوحشة، ولكن لا توجد الآن عملياً دولة سورية خارج حدود العاصمة.

فلقد أبلى الرئيس السوري الجديد، أحمد الشرع، بلاء حسناً عندما أبهر دونالد ترمب وغيره من قادة العالم، غير أن عقيدته إسلامية وسلطته هشة، وبلده مايزال في وضع متقلب خطير بحيث يمكن أن ينزلق إلى حرب أخرى بكل سهولة.

لم يخطر ببال أحد بأن الأسد سيسقط بهذه السرعة، ولا حتى وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية أو الموساد.

ولكن خلال الأيام والأسابيع التي أعقبت ذلك، بدأت التحليلات حول سقوط النظام بالظهور، فقد انجر داعمو الأسد في كل من روسيا وإيران نحو نزاعات أخرى، عندما دخلت روسيا في حرب مع أوكرانيا، وإيران مع إسرائيل، ولهذا لم تعد لديهما القدرة على حماية الأسد، إلا أن انسحابهما المفاجئ عرى ما خفي عن الأعين طوال سنين، وهو الضعف الشديد الذي اعترى الجيش المنهك والفاسد والذي لم يكن يتقاضى إلا الفتات.

وعلى غرار ما أصاب النظام المدعوم أميركياً في أفغانستان والذي سقط في عام 2021، فإن آل الأسد تحولوا إلى ضحية لإجراءات جيوسياسية جديدة ستعم المنطقة.

وهكذا، وبعد الإطلاع على تلك الحقائق، يدرك المرء بأن السقوط كان النتيجة الحتمية لهذا النظام.

ولكن خلال العام الفائت، تحدثتُ إلى العشرات من رجال الحاشية والضباط الذي كانوا ملازمين للقصر في دمشق، فسردوا لي حكاية مختلفة تماماً، إذ تحدث معظمهم عن حاكم منعزل، مهووس بالجنس وألعاب الفيديو، كان بمقدوره إنقاذ نظامه خلال السنوات الخمس الأخيرة، لو لم يكن بهذا العناد والغرور.

في هذه السردية، لم تكن الجيوسياسة هي التي حكمت على النظام بالسقوط، إذ لم تكن أي دولة في المنطقة ترغب بسقوط الأسد، والدليل على ذلك أن عدداً من تلك الدول عرضت عليه ما يمده بالحياة، ولو تمسك بما منحوه له، لكان اليوم جالساً في قصره بكل تأكيد، بل حتى في أيامه الأخيرة، بقي وزراء الخارجية يتصلون به، ويعرضون عليه صفقات واتفاقيات، لكنه لم يرد عليهم، فهو على ما يبدو كان مستاء وغاضباً من مقترح تخليه عن عرشه.

في النهاية، قد يكون موالو الأسد الناقمين عليه على حق، لأن كل الأمور منوطة ببشار.

سوريون يحتفلون بسقوط الأسد في دمشق - التاريخ: كانون الأول 2024.

تدخل مفاجئ اسمه" فلاديمير بوتين".

لعل كل مستبد يخال أنه لا يقهر، غير أن الأسد لديه سبب خاص جعله يغالي في تلك الثقة، بعد أن نجا بالفعل من تجربة كادت أن تقضي عليه.

وصل الربيع العربي إلى سوريا في عام 2011، وسرعان ما تحول هذا الربيع إلى حرب، عندما حملت شرائح واسعة من الشعب السوري السلاح ضد الحاكم، ولهذا لم يتوقع له أحد أن يبقى، ففي تصريح لباراك أوباما خلال عام 2012 قال: " لا شك لدي بأن نظام الأسد سيكتشف سريعاً بأنه لا يمكن وقف قوى التغيير"، وقد كان أوباما واثقاً تماماً بأن وزارة خارجيته تسهم في تمويل" مشروع اليوم التالي" وبأن بلده على استعداد لظهور سوريا جديدة، تماماً كالمحررين في صحيفة نيويورك تايمز الذين طلبوا مني أن أكتب مادة أنعي فيها آل الأسد، وهنا أتذكر كيف فكرت بأن علي أن أنجز هذا العمل بسرعة، ومازلت أحتفظ بهذه المادة بين ملفاتي حتى اليوم.

كان ذلك المقال الذي ينعي آل الأسد سينشر في عام 2015 لو لم يظهر تدخل خارجي مفاجئ اسمه فلاديمير بوتين، فالتدخل الروسي الذي بدأ في أيلول من ذلك العام غيّر كل شيء بالنسبة للأسد، بعد أن تغير ميزان القوى في ساحة المعركة بفضل الغارات الجوية المكثفة التي قتلت كثيرين والتي نفذتها طائرات السوخوي والتوبوليف الروسية، بالتنسيق مع الميليشيات الإيرانية والشيعية، فكانت تلك الغارات بمنزلة ضربات قاصمة لقوات الثوار.

في تلك الفترة، كان الإسلاميون يهيمنون على المعارضة السورية التي قادها المتظاهرون السلميون لفترة، وكانت تلك المعارضة مقسمة وغير فعالة، بحيث صار من السهل جمعها ضمن إطار البشاعات الاستعراضية التي مارسها تنظيم الدولة المعروف بداعش.

في أواخر عام 2017، كان الأسد قد كسب الحرب بشكل أو بآخر، فقد سيطر نظامه على المدن الكبرى، وحُصرت المعارضة في محافظة إدلب بشمال غربي سوريا، حيث تحول زعيم سابق لدى تنظيم القاعدة اسمه أحمد الشرع (والذي كان يعرف إذاك بأبي محمد الجولاني) إلى شخصية قيادية.

وحسبما أخبرني سوريون كثر، فقد أتت لحظة النصر الخادعة تلك عندما بدأت كل الأمور تسوء، ويبدو بأن الأسد لم يدرك بأن نصره كان أجوفا، بعد أن استحالت مساحات شاسعة من بلده إلى ركام، كما انكمش الاقتصاد لدرجة بلغت الصفر تقريباً، وأثقلت كاهله العقوبات الأميركية والأوروبية أكثر فأكثر، وأصبحت سيادة سوريا رهينة لروسيا وإيران اللتين ضيقتا على دمشق الخناق وصارتا تطالبانها بالمال لتسديد ثمن ما استثمرته هاتان الدولتين في النزاع.

فضلاً عن صبر مؤيدي الأسد الذي نفد بعد أن عانوا ما عانوه طوال سنوات الحرب والصراع، ومع انتهاء القتال، صاروا يتوقعون حدوث شكل من أشكال الانفراج في البلد.

كان بوسع الأسد منح شعبه ما أراد، إذ لدى دول الخليج من المال والنفوذ ما يمكنها من كسر الجليد من حوله، ففي عام 2017 بدأت دولة الإمارات بالتعامل مع دمشق، ولكن بشرط، وهذا الشرط هو نفسه الذي طلبته قبل أن تبدأ الحرب في سوريا، ألا وهو ابتعاد الأسد عن إيران، بما أن دول الخليج تعتبر الزعماء الدينيين الذين أفرزتهم الثورة في طهران أكبر تهديد لهم، والتحالف الذي أقامته سوريا معهم منذ أمد بعيد، تحت حكم حافظ الأسد، كان نقطة خلاف مع سائر الحكام العرب.

ثم إن استبدال رفقة إيران المشبوهة بثروات الخليج يعد خياراً منطقياً بالنسبة لسوريا، ولكن بقيت هنالك مشكلة، إذ لم يكن ذلك بالضرورة الخيار الأفضل بالنسبة لآل الأسد.

فبخلاف دول الخليج والغرب، بقي الإيرانيون يعلنون بصراحة وعلى الدوام بأنهم مستعدون لبذل أي شيء في سبيل إبقاء الأسد في السلطة، وكل ما عليه أن يقدمه لهم بالمقابل هومواصلة تسهيل وصول إمدادات الأسلحة والأموال التي ترسلها طهران لحزب الله عبر الأراضي السورية، بما أن هذا الحزب يعتبر اللاعب الأبرز في" محور المقاومة" الذي أسسته طهران.

وبالفعل، سعى الأسد لتحقيق تقارب متواضع مع الإمارات التي أعادت فتح سفارتها بدمشق عام 2018، لكنه رفض قطع علاقاته بإيران، إذ يخبرنا خالد الأحمد، الذي كان أحد الأذرع السياسية البارعة من الدائرة الضيقة المحيطة بالأسد التي فاوضت على توقيع اتفاق مع الإمارات، والذي آمن لفترة وجيزة بإمكانية تحقيق انتقال سياسي، لكنه استنتج في نهاية الأمر بأن الأسد عاجز عن تغيير مسار الأمور، ولهذا يقول عنه: " صرت أراه كما وكأنه فيل ميت في الغرفة.

كواقع فج يتحاشى الجميع الحديث عنه".

يذكر أن الأحمد اليوم يشغل منصباً استشارياً لدى الحكومة السورية الجديدة.

استقبال رئيس الإمارات محمد بن زايد آل نهيان لبشار الأسد في أبوظبي- تاريخ الصورة: 19 آذار 2023.

في تلك الفترة، خلص إلى النتيجة نفسها مسؤول إسرائيلي شاب معني بالأمن القومي، ولهذا بدأ يحث رؤساءه على الترتيب لانقلاب داخلي ضد الأسد، فقد ظل الإسرائيليون لفترة طويلة ينظرون إلى الأسد كعدو تسهل السيطرة عليه، كونه يردد جميع الشعارات المعتادة عن العدو الصهيوني، لكنه يبقي الحدود بين البلدين هادئة.

غير أن المسؤول الإسرائيلي الذي خرج من سلك الدولة وتحدث إلي شريطة عدم ذكر اسمه أخبرني أنه في عام 2019 صار يخشى من عجز الأسد لدرجة لا يمكن معها التعويل عليه، وأضاف: " لقد تحول النظام إلى قشرة فارغة".

رفضت القيادة الإسرائيلية فكرة الانقلاب، مع أنها أخذت تناقش الفكرة بين الفينة والفينة على مدار عدة سنوات في كل من تل أبيب وواشنطن من دون أن تحرز أي تقدم، ولعل مرد ذلك يعود إلى أن والد بشار ترك له نظاماً يبقي أي منافس تحت السيطرة أو المراقبة.

وتعقيباً على ذلك يقول المسؤول الإسرائيلي السابق: " كان الجميع في المنطقة مرتاحين لوجوده، إذ لم يكن يمثل أي خطر على أي منهم لشدة ضعفه".

ويبدو بأن الأسد ظن بأن هذا الاتفاق الضمني بات مصدر قوة بالنسبة له، إذ يقول منسق سياسي سابق لدى حزب الله أمضى معظم وقته في سوريا خلال تلك السنين: " كان بشار يعيش في عالم خيالي ويقول لنفسه: الإيرانيون بحاجتي، والروس لا خيار أمامهم، لذا فأنا الملك"، لكن هذا الرجل طلب عدم ذكر اسمه خوفاً من العواقب.

بدأ داعمو الأسد يشتكون منه، إلا أنه لم يصغ إلى أحد، إذ في عام 2019، وكما يخبرنا المسؤول السابق في حزب الله، بدأ الروس والإيرانيون يضغطون عليه ليقوم بإصلاحات رمزية يكسب بها رضا الدول الأوروبية، ويخفف وطأة العزلة الاقتصادية عن سوريا.

فصار الأسد يكذب ويراوغ كما أخبرنا ذلك المسؤول.

وفي مقابلة أجراها منذ فترة قصيرة وزير الخارجية الإيراني آنذاك، محمد جواد ظريفي، مع قناة الجزيرة، ذكر بأنه حث الأسد على" التعامل مع المعارضة"، لكن الأسد كان سكراناً بـ: " نشوة النصر"، وهذا ما منعه عن ذلك.

ولعل أبلغ مثال على غباء الأسد ظهر خلال الولاية الأولى لترمب، إذ في عام 2020، أرسلت واشنطن مسؤولين وهما روجر كارسيتنز وكاش باتيل إلى لبنان لمعرفة مصير الصحفي الأميركي أوستن تايس الذي اختفى في سوريا في عام 2012 وخمن كثيرون بأنه محتجز لدى نظام الأسد.

في ذلك الحين، كان رئيس فرع الأمن العام بلبنان هو عباس إبراهيم الذي أتى بهذين الرجلين إلى دمشق، فالتقيا بأحد كبار المسؤولين الأمنيين لدى الأسد، وكان شخصية مرهوبة الجانب، وهو علي مملوك.

وعندما طرح الأميركيان قضية تايس، حسبما يتذكر كارستينز، ما كان من مملوك إلا أن رد بالقول إنه يتعين على الولايات المتحدة رفع العقوبات وسحب جنودها من سوريا قبل مناقشة أي طلب لها.

غير أن إبراهيم الذي حضر ذلك الاجتماع، يتذكر تفاصيل مختلفة، ولهذا ذكر بأنه اعتبر تعليق مملوك مناورة للبدء بالتفاوض، ولم يتوقع من الأميركيين أن يقدموا كل هذه التنازلات الكبيرة، ومما أثار استغراب إبراهيم ومملوك تلميح الحكومة الأميركية إلى موافقتها على عقد اتفاق مقابل تقديم أدلة تفيد بأن تايس مايزال على قيد الحياة، بعد ذلك سافر إبراهيم إلى واشنطن حيث أخبروه بتأكيد ترمب للموقف الأميركي، إلا أن دهشة إبراهيم باتت أكبر عندما وصله جواب الأسد وهو: لا اتفاق، ولا مزيد من الكلام، فسأل عن السبب، فأخبره مملوك بأن السبب هو: " وصف ترمب للأسد بالحيوان" قبل ذلك بسنوات.

أخبر إبراهيم نظيره السوري بأن هذا هو الجنون بعينه، إذ حتى لو كان تايس قد فارق الحياة، سيلتزم الأميركيون بالاتفاق إن كان بوسعهم معرفة ما حل به ومن ثم" إغلاق الملف" (ثمة أخبار متناقضة حول ما حل بتايس، إذ أفاد بعض الناس من دون إيراد أي دليل بأن أحد ضباط نظام الأسد أقدم على قتله).

كان الأميركيون يتوقون للحصول على أي شيء بوسعهم تحصيله، وهذا ما ذكره إبراهيم بقوله: " تلقيت اتصالاً من بومبيو في إحدى المرات، قال فيه: إني على استعداد للسفر بطائرة خاصة إلى سوريا، وعلى استعداد لمصافحة أي شخص كان" (غير أن بومبيو وباتيل لم يردا عندما طلبت منهما التعليق على الموضوع).

برأي إبراهيم، كانت تلك" فرصة ذهبية" للأسد الذي كان بوسعه أن يلتقي بمايك بومبيو الذي كان وزير خارجية الولايات المتحدة آنذاك، كما كان بوسعه أن يقول له معتذراً إن النظام لا يدري ما حل بتايس.

ثم إن الاجتماع بحد ذاته بوسعه إسباغ شرعية جديدة على الأسد، كما يمكنه دفع مزيد من الدول للتعامل معه.

جددت إدارة بايدن العرض في عام 2023، فأرسلت وفداً رفيع المستوى إلى عُمان للقاء مسؤولين سوريين بهدف معرفة مصير تايس.

غير أن الأسد تصرف معهم بطريقة مهينة بحسب رأي إبراهيم، وذلك عندما رفض حتى إرسال مسؤول رفيع للقائهم، واكتفى بإرسال سفير سابق قيده بتعليمات صارمة حتى لا ينطق بأي كلمة عن تايس.

عند استرجاع تلك الأحداث، نخلص إلى أنه لا عجب أن يسقط بسرعة ذلك الأسد بكل غطرسته وضعف بصيرته، فنستبعد بذلك فكرة بقائه كل تلك الفترة الطويلة.

بيد أن الفضل في بقائه يعود لأبيه، الذي بنى له نظاماً غاية في المتانة والقسوة ما جعله يبقى لمدة 25 عاماً بعد كل هذه الإدارة السيئة للبلد.

أما الدرس المستفاد من سقوط الأسد فدرس قديم للغاية ويتمثل في أن أشد نقطة ضعف لدى جميع الأسر السياسية الحاكمة تتجسد في مشكلة التوريث.

كان حافظ الأسد دكتاتوراً بقالب كلاسيكي، فهو رجل ماكر وحصيف قوي الإرادة خرج من الفقر الذي كان يعم الأرياف عبر الجيش ثم استولى على السلطة بانقلاب عام 1970، كما أنه كان عبقرياً في تدمير خصومه والتغلب عليهم بالمكر والحيلة، ولهذا تحولت الدولة الدكتاتورية التي أقامها إلى تحصيل حاصل، إذ هذا ما كان معظم السوريين يريدونه بعد سنوات من الاضطراب التي أعقبت استقلال بلدهم عن فرنسا في عام 1946، فقد كتب الرئيس المصري ذو الملامح القاسية، جمال عبد الناصر: " لسبب ما يبدو لي بأنه في داخل الوطن العربي فراغٌ يبحث عمّن يملؤه"، وقد جسد هذا الرئيس دور البطل بكل جدارة في خمسينيات وستينيات القرن الماضي عندما أسهم بخلق فكرة عصرية للدكتاتور العربي.

بيد أن بشار كان مختلفاً، إذ حتى من زاروا سوريا للمرة الأولى استطاعوا أن يميزوا بأن هذا الدور لا يليق به، بما أن ملامحه رقيقة والخوف باد في عينيه، أما رأسه ورقبته فطويلان بشكل غريب، وكأنه تعرض لضغط شديد في أثناء سحبه من رحم أمه.

وعندما كانت صورته تطالعك من إحدى اللوحات الإعلانية المنتشرة في سوريا، ينتابك وبكل سهولة ذلك الإحساس بأن أحداً مزح مزحة سمجة، فاستبدل رأس الرئيس برأس طالب مدرسة مضطرب.

غير أن الانطباع عنه لابد أن يسوء عندما يشرع في الحديث، فصوته رفيع ويخرج من أنفه، ويبدو على الدوام غير مرتاح وهو يلقي خطاباته، وكأنه يتعجل لينهيها، ولهذا أضحت قيمته صفرية في ثقافة تولي قيمة كبيرة للبلاغة والتمكن.

كثيرون ممن يعرفون بشار أخبروني بأن ضعف ثقته بنفسه بدأت معه منذ السنوات الأولى من عمره، عندما كان شقيقه الأكبر باسل يرهب بقية إخوانه بلا رحمة، وهذا ما خلق تشوهات دائمة في شخصياتهم، بحسب ما ذكره شخص مطلع من داخل القصر.

وقد تجلت الديناميات المتبعة في تلك الأسرة ضمن صورة شهيرة التقطت في عام 1993، فقد ظهر باسل واقفاً في زاويتها، وقد بدا عليه التغطرس وشيء من التململ.

في حين جلس الأبوان أمامه، وتوزع أشقاؤه على يمينه وشماله.

ظهر بشار إلى اليسار، محنياً جسده بعض الشيء، والقلق باد على وجهه، وبخلاف البقية، كان يحدق بشيء آخر غير المصور، وكأنه كان يبحث عن مخرج ليهرب.

صورة شهيرة لعائلة الأسد التقطت في عام 1993.

وصل بشار للسلطة بمحض الصدفة، فقد كان باسل، الضابط العسكري وفارس قفز الحواجز الملقب بالذهبي، هو الوريث، لكنه توفي بحادث سيارة في عام 1994، فاستدعى حافظ بشاراً من لندن حيث كان يتدرب ليصبح طبيب عيون، وبدأ يعده ليصبح الرئيس القادم.

في البداية راق الخجل والارتباك الذي أبداه بشار لكثير من المعارضين السوريين، إذ أشعلت فكرة عدم شبهه بوالده جذوة الأمل بأنه سيكون ألطف منه وأشد تسامحاً، وقد صح ذلك لفترة وجيزة، إذ خلال" ربيع دمشق" الذي أتى بعد تولي بشار الحكم إثر موت أبيه في عام 2000، بدا وكأن هامش حرية التعبير بات أوسع.

ولكن سرعان ما أُتبع ذلك بالقمع، وخلال السنين التالية، بدت نفسية الأسد وكأنها تنحو نحو وجهة معاكسة، إذ صار أخشى ما يخشاه أن يُنظر إليه كضعيف، لدرجة بات يخال بأن عليه أن يبرهن مرة بعد مرة بأن بوسعه الوصول إلى مستوى الوحشية المتوقعة منه.

تحدثت إلى عشرة أشخاص يعرفون الأسد، وجميعهم تحدثوا عن عناده، إذ لم يكن يصغي للنصح كما ذكر معظمهم، بل كان يزعجه سماع أي نصيحة.

كما قيلت صفات مشابهة في أبيه، ذاك المفاوض الذي لم يشق له غبار كما كانوا يقولون عنه، أي أن كلا الرجلين كانا: " يساومان ويتلاعبان بمناصب شرفية في السلطة داخل منظومة غامضة وذلك بهدف تحقيق حالة إجماع"، وذلك برأي ديفيد ليش، وهو باحث في جامعة الثالوث سبق له أن أجرى لقاء مطولاً مع بشار خلال العشرية الأولى من الألفية الثالثة.

غير أن بشار لم تكن بطبعه قساوة أبيه، إذ بحسب من يعرفونه ومن درسوا معه، فإن صلابته لم تكن أكثر من قناع يخفي به ضعف ثقته بنفسه.

ونقطة الضعف هذه كما ذكر لي بعضهم جعلته شديد الحساسية وسريع التأثر، فقد انبهر كثيراً بزعيم حزب الله حسن نصر الله، عندما تحول إلى شخصية كاريزماتية حصدت شعبية واسعة، ويبدو أن الأسد صدق الدعاية التي نشرها نصر الله ليقنعه بنفسه، ولعل السبب أن ذلك كان بالضبط ما أراد أن يسمعه، ومفاده أن محور المقاومة سيوجه ضربة قاسية لإسرائيل، عندئذ سيغدو الأسد قادراً على وضع شروط السلام كما يحلو له، أي بمعنى أصح، لن يحتاج الأسد لاختيار خيارات صعبة أو لتقديم تضحيات، لأن كل شيء سيقدم له على طبق من فضة.

في السابع من تشرين الأول لعام 2023، اعتقد الأسد على مدار بضع ساعات بأن نبوءات نصر الله تحققت، وذلك عندما قطع مقاتلو حماس السياج الحدودي من غزة، ثم قتلوا أكثر من ألف شخص، فبدت إسرائيل التي تعتبر شمشون المنطقة ضعيفة وغير مستعدة لذلك.

ولكن قبل حدوث ذلك بزمن طويل، كانت إسرائيل تشن آلاف الغارات الجوية ليس على غزة لوحدها، بل أيضاً على لبنان وسوريا، وقد التزم الأسد الصمت حيال هذه الغارات التي استهدفت حلفاءه، ثم قتلت نصر الله نفسه في نهاية الأمر.

أو لعله تمنى ألا يكون اسمه مكتوباً في قائمة الاستهداف الإسرائيلية، ولكن بحسب ما قاله السياسي اللبناني وئام وهام الذي كان مقرباً من النظام السوري، فإن صمت الأسد أثار شكوك إيران حول قيامه بمد إسرائيل بالمعلومات، أي أن محور المقاومة كان يتهاوى.

أحد مقاتلي الثوار يطلق النار بعد أيام على سقوط النظام على صورة بشار التي كانت معلقة على مبنى البلدية بحماة.

وهذا ما أقلق الأسد، وخاصة بعد أن غرقت روسيا في أوحال المستنقع الأوكراني، بما أنها كانت الحامي الآخر له.

إلا أن أجواء القصر لم تسمح له بالتفكير بصفاء، حيث كان الأسد يمضي جل وقته وهو يلعب الكاندي كراش وغيرها من ألعاب الفيديو على هاتفه، وذلك بحسب ما ذكره أحد المسؤولين السابقين لدى حزب الله.

كما أن بشار همش من كان لهم نفوذ خفي أيام أبيه، واعتمد عوضاً عنهم على دائرة مصغرة من الشخصيات الشابة التي قدمت له أوراق اعتماد مشبوهة، وكان من بينهم الصحفية السابقة لدى قناة الجزيرة التي تعرف باسم لونة الشبل، والتي كانت عشيقة الأسد لكنها كانت تجلب له نساء أخريات حتى يمارس الجنس معهن، وكان من بينهن زوجات ضباط سوريين رفيعي المستوى، وذلك بحسب ما ذكره مطلعون سابقون على أمور القصر ومسؤول إسرائيلي سابق.

ويبدو بأن الشبل المتزوجة من أحد المقربين من النظام قد شجعت على ظهور عادة ولدت في القصر أيام الأسد وهي عادة ازدراء الناس العاديين من أبناء وبنات الشعب، إذ في تسجيل سرب في كانون الأول الماضي، نسمع الأسد والشبل وهما يضحكان مستخفين بالمظاهر الكاذبة التي أبداها حزب الله، ويسخران من العساكر الذين حيوهما في أثناء مرورهما بالسيارة في ريف دمشق.

كما نسمع الأسد وهو خلف عجلة القيادة يقول عن السوريين تصادف عبورهم في الشارع نفسه: " إنهم يصرفون المال على الجوامع، وليس لديهم ما يكفيهم ليأكلوا".

وحتى نستوعب مدى فحش ما قاله الأسد، علينا أن نعرف بأنه جمع لنفسه ثروة طائلة، معظمها من تجارة المخدرات، في الوقت الذي وصل معظم الشعب السوري إلى حافة الجوع.

فقد كان العسكري يحصل على راتب يعادل عشرة دولارات بالشهر، وهذا المبلغ لا يكفيه حتى يؤمن مسلتزمات معيشته.

أما الليرة السورية التي كان سعر صرفها أمام الدولار يعادل 47، فقد وصلت إلى خمسة عشر ألفاً مقابل الدولار الواحد في عام 2023، كما زاد الجوع في سوريا بعد عام 2020، وذلك عندما فرض الكونغرس الأميركي حزمة عقوبات مشددة بموجب قانون قيصر لحماية المدنيين في سوريا.

وهكذا بدأ حتى أقدم المؤيدين للأسد من الطائفة العلوية التي ينتمي إليها يتذمرون من فقرهم وعوزهم، إذ أخبرني أحد أقرباء الأسد، وهم مقيم في أوروبا بأنه زار سوريا في عام 2021 واستغرب عندما اكتشف بأن حتى ضباط الحرس الجمهوري المكلفين بحماية عائلة الأسد المباشرة أصبحوا يعانون من فقر مدقع ويمضون معظم أوقاتهم خارج الدوام وهم يبيعون الفواكه والسجائر في الشوارع.

بقي مستوى معيشة الأسد وعائلته على حاله عبر تحويل سوريا إلى دولة مخدرات، فقد صار شقيقه ماهر يشرف على تصنيع كميات كبيرة من الكبتاغون وتهريبها، ما در عليهم مليارات الدولارات، إلا أن ذلك تسبب بأزمة إدمان في دول الخليج والأردن، وهذا ما أثار حفيظة حكامها.

أحد مقاتلي الثوار يحمل بيده حبوب الكبتاغون التي كانت مخبأة داخل محول كهربائي بمدينة دوما - تاريخ الصورة: كانون الأول 2024.

اتخذ جنون العظمة الذي يعاني منه الأسد منعطفاً جديداً وغريباً خلال السنين القليلة الماضية، إذ بحسب ما ذكره الأحمد، فإن الأسد خلص إلى أنه بات بحاجة إلى" أدوات النظام الملكي" كتلك التي يتمتع بها بوتين وحكام الخليج، والتي تشمل احتياطياً كبيراً من النقد يكفي لدعم الميليشيات وإعادة هيكلة الاقتصاد.

وقد كشف الأسد عن تفكيره بالسلطات الملكية في تصريحاته لصحفي روسي خلال مقابلة أجراها قبل شهور قليلة على رحيله عن السلطة، إذ عندما سُئل عن سلبيات النظام الديمقراطي، قال الأسد وهو يبتسم ابتسامة كلها ازدراء: " إن الرؤساء في الغرب، وخاصة في الولايات المتحدة، ليسوا سوى مدراء تنفيذيين، أي أنهم ليسوا ملاكاً".

في تموز من عام 2024، ومع تصدر أخبار الحرب في غزة للعناوين، عثر على لونة الشبل وقد فارقت الحياة في سيارتها البي إم دبليو على طريق سريع خارج دمشق، ووصف إعلام النظام ذاك الحدث بحادث سير، إلا أن ملابساته أتت غريبة، إذ بحسب ما ورد في بعض التقارير، فإن السيارة لم تصب إلا بأضرار طفيفة، على الرغم من أن جمجمة لونة قد تهشمت، فانتشرت الإشاعات بسرعة عن خبر مقتلها بأوامر من طهران وذلك لأنها كانت تزود الإسرائيليين بمعلومات عن مواقع الاستهداف.

غير أن الأسد كان هو من أمر بقتل عشيقته السابقة، بحسب ما ذكره مسؤول إسرائيلي سابق وشخصان ربطتهما علاقات بهذا النظام، فالشبل أضحت وكيلة لروسيا بحكم الأمر الواقع، إذ كانت تزود موسكو بمعلومات عن أنشطة إيران في سوريا، بحسب ما ذكره المسؤول الإسرائيلي السابق، ولعلها استشعرت قرب نهاية الأسد، لذا أضحت بحاجة لجهة أخرى تحميها.

غير أنه من المستحيل التأكد من هذه السردية، إذ لم يرد علي أي مسؤول روسي عندما طلبت منهم التعليق على أمور تتصل بالاستخبارات.

عندما يسقط الطاغية، نحاول تخيل لحظة أخيرة مفجعة يدرك فيها نفسه، ويحاسب ذاته، كما حدث لأوديب عندما فقأ عينيه، ولماكبث عندما هام في البراري.

ولكني لا أظن بأن الحكام الدكتاتوريين في الواقع يعيشون تلك اللحظة ساعة سقوطهم، وذلك لأنهم بارعون بالكذب على أنفسهم.

بالنسبة للأسد، بدأ الفصل الأخير في تشرين الثاني من عام 2024، وذلك عندما ضغطت فصائل الثوار بقيادة أحمد الشرع للحصول على إذن من تركيا لشن عملية عسكرية، فمنحهم إياها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في خاتمة المطاف (على الرغم من أن تركيا تنكر أي تدخل رسمي لها في تلك العملية).

وافق أردوغان على تلك العملية على مضض، لأنه طوال ذلك العام، بقي يطلب من الأسد أن يلقاه، وكان لديه مطلبان بسيطان للغاية، وهما: إجراء مصالحة سياسية، والاتفاق على إعادة ملايين اللاجئين السوريين الذين يعيشون في تركيا إلى وطنهم، بيد أن الأسد تصرف وكأن كل الأوراق بيده، فرفض اللقاء حتى لو وافق أردوغان مسبقاً على سحب كامل القوات التركية من سوريا.

ويبدو أن عملية الثوار التي وافق عليها أردوغان كان الهدف منها دفع الأسد للتفاوض، ولهذا لم توضع ضمن إطار هجومي، بل دفاعي.

عند تقدم الثوار نحو مدينة حلب في 27 تشرين الثاني 2024، كان الأسد في روسيا، حيث كان ابنه سيقدم رسالة الدكتوراه في نظرية الأعداد والتمثيلات كثيرة الحدود بجامعة الدولة في موسكو.

ومع انهيار الدفاعات في حلب، ظل الأسد هناك، وهذا ما أثار صدمة ورعب قادته العسكريين في الداخل، لكنه على ما يبدو كان يحاول إقناع بوتين بأن يهب لإنقاذه.

غير أن الرئيس الروسي أبقاه لأيام منتظراً، وعندما التقيا أخيراً، أتى اللقاء مقتضباً جداً، إذ بحسب ما ذكره المسؤول الإسرائيلي السابق، فإن بوتين أخبر الأسد بأنه لن يستطيع أن يدخل الحرب عوضاً عنه، وبأن الأمل الوحيد المتبقى لبشار يتمثل بالتوجه لأردوغان وعقد اتفاق معه، إذ لطالما كانت العلاقة الاستراتيجية مع تركيا أهم بكثير من العلاقة مع سوريا بنظر الروس.

وهنا يستحيل أن نعرف إن كان الأسد قد أدرك ذلك أم لا، لكن بوتين بكل تأكيد لم يكن ليشن حرباً جديدة على حلفاء تركيا من الثوار فقط لينقذ دكتاتوراً تافهاً بدأ عساكره بالانشقاق عن جيشه.

أجزاء من القصر الرئاسي بدمشق بعد تعرضها للنهب والحرق إثر هروب الأسد.

سقطت حلب بيد الثوار عند عودة الأسد لدمشق، وبعد ساعات قليلة، سافر إلى أبو ظبي، عاصمة الإمارات، بحسب ما ذكره الأحمد.

ولم يتبين من قابل هناك وما الذي قيل، إلا أن الإمارات كانت تخشى من ميليشيات الشرع الإسلامية كخشيتها من طهران، ولم يكن لديها جيش على الأرض.

بالعودة إلى دمشق، جرب الأسد مناورة أخيرة، مستعيناً بـ" أدوات النظام الملكي" التي جمعها على مدار سنين، فنشر خبراً بأنه سيدفع رواتب كبيرة للمتطوعين القادرين على إعادة رص صفوف الميليشيات التي ساعدته في الانتصار بالحرب قبل سنوات، وذلك بحسب ما ذكره الأحمد، ولكن عندما سمع بهذه العروض العساكر العاديون الذين أمضوا سنين وهم يتقاضون رواتب لا تسد الرمق، استشاط معظمهم غضباً لدرجة دفعتهم لترك مواقعهم.

كان الثوار آنذاك قد سيطروا على مدينة حماة وتابعوا طريقهم للوصول إلى حمص التي تبعد مسافة 160 كيلومتراً عن العاصمة.

وفي الوقت ذاته، بدأ قادة الحرس الثوري الذين أسهموا في دعم النظام بحزم حقائبهم والرحيل عن البلد.

فوصلت أخبار للعساكر السوريين عن انسحاب حلفائهم، ما نشر الذعر بين صفوفهم، وهكذا توجه الثوار نحو الجنوب من دون أن أي مقاومة.

في السابع من كانون الأول لعام 2024، عقد وزراء خارجية روسيا وسبع من دول الشرق الأوسط اجتماعاً طارئاً على هامش مؤتمر الأمن السنوي في العاصمة القطرية الدوحة، ولم يكن أي منهم يريد لنظام الأسد أن يسقط، ولهذا أصدروا بياناً طالبوا فيه بإنهاء الأعمال العسكرية، وبفترة انتقال سياسي مقسمة على مراحل، وذلك بناء على قرار مجلس الأمن الذي صدر قبل عقد من الزمان.

وكانوا بحاجة لموافقة الأسد على ذلك حتى يتم تسهيل تلك الخطوات، عندئذ ظهرت مشكلة، وهي أن أحداً لم يتمكن من الوصول إليه، إذ كان قد أغلق هاتفه على ما يبدو.

حدثني بذلك أحد أفراد حاشية الأسد، وهذا الشخص بقي معه خلال الساعات الأخيرة، لكنه طلب ألا يذكر اسمه لأنه مايزال يعيش في المنطقة.

عاد الأسد من القصر إلى مقر إقامته الخاص في حي المالكي عند الساعة السادسة مساء تقريباً، وبدا عليه الهدوء، وذكر بأنه طمأن لتوه ابن عمه إيهاب مخلوف حول عدم وجود ما يثير القلق، لأن الإماراتيين والسعوديين لن يعدموا وسيلة حتى يوقفوا تقدم الثوار.

غير أن مخلوف أصيب بطلق ناري أرداه قتيلاً في ساعة متأخرة من تلك الليلة قبل أن يفر هارباً بالسيارة إلى لبنان.

عند الساعة الثامنة مساء، انتشر خبر سقوط حمص بيد الثوار، ما أثار خوف حاشية الأسد، لكن الأسد طمأن معاونيه إلى أن قوات النظام قادمة من الجنوب لتطوق العاصمة وتذود عنها، إلا أن ذلك لم يحصل، ولم تستطع مصادري أن تجزم بمدى تصديق الأسد لتلك الفكرة.

وخلال الساعات التي أعقبت ذلك، بات الأسد ينوس بين اليأس والتطمينات المضللة بأن النصر بات بمتناوله، أي أنه عاش تلك الحالة الذهنية التي يعرفها كل من شاهد فيلم (السقوط) الذي يجسد الأيام الأخيرة لهتلر في مخبئه ببرلين.

بمجرد أن تجاوزت الساعة الحادية عشرة ليلاً، وصل منصور عزام أحد كبار معاوني الأسد إلى بيته بصحبة ثلة مصغرة من المسؤولين الروس، فتوجهوا مع الأسد إلى إحدى الغرف ليتحدثوا إليه.

وقد ذكر لي المصدر بأنه يعتقد بأن الروس ضغطوا على الأسد حتى يشاهد الفيديوهات التي تثبت إحجام قوات النظام عن القتال.

وبحلول الساعة الواحدة صباحاً، وصل خبر لحاشية الأسد بأن كثيراً من مؤيدي النظام تركوا القتال وفروا من العاصمة إلى الساحل، معقل الطائفة العلوية.

وعند الساعة الثانية صباحاً، خرج الأسد من مقره الخاص وطلب من سائقه الذي رافقه لسنوات طويلة تجهيز مركبات نقل صغيرة، كما أمر الموظفين بحزم متعلقاتهم بأسرع وقت ممكن، فقد كانت مجموعة من الروس بانتظاره خارج البيت.

وحتى تلك اللحظة، بقي كثيرون من حاشيته يعتقدون بأن الأسد سيتوجه إلى قصر الرئاسة ليلقي خطاباً عن المقاومة موجهاً لأتباعه، غير أنهم أدركوا عندئذ بأن المعركة قد حسمت، وبأنه تخلى عنهم للأبد، وذلك عندما توجه نحو الباب الأمامي برفقة اثنين من معاونيه وابنه حافظ، في حين قيل للبقية بأنه لا يوجد متسع لهم.

وقف سائق الأسد الذي كان في أواسط العمر عند باب السيارة، ونظر إليه نظرة لا يمكن لعين أن تخطئها كونها تنم عن إحساس بالخيبة فيه، وسأله: " أستتركنا حقاً؟ ".

فنظر الأسد إليه، إذ حتى آخر لحظة لم يتحمل مسؤولية بلده، لأنه بنظره لم يخن أتباعه، بل هم من خانوه عندما رفضوا بذل أرواحهم ليطيلوا أمد حكمه، عندئذ توجه إلى السائق بالسؤال: " وماذا عنكم أنتم؟ ألن تقاتلوا؟ " ثم استدار فابتلعته الظلمة، حيث كان الروس بانتظاره.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك