يحمل فيلم «جرس إنذار الحفرة» – بوصفه امتداداً درامياً للجزء الأول «جرس إنذار» – محاولة واعية لتوسيع العالم السردي للعمل عبر رهان بصري أكثر كثافة وتشويقاً، حيث تتحول «الحفرة» من مجرد عنصر حدثي إلى بؤرة درامية ورمز دلالي يعكس البنية الاجتماعية والنفسية في آنٍ معاً.
العمل، الذي جاء بإشراف إنتاجي من منصة نتفليكس، وبإدارة إخراجية لعبد الله با مجبور، يستند إلى سيناريو محكم الصياغة لهيفاء السيد، عن قصة لمريم الهاجري، تتخذ من مدرسة ثانوية للبنات فضاءً سردياً مغلقاً تتقاطع داخله التوترات الشخصية مع التحولات المفاجئة في مسار الحدث.
ومنذ المشاهد الأولى، يلفت الانتباه إيقاع المونتاج السريع والقطع المتلاحق الذي يمنح الفيلم طابعاً تشويقياً «Thriller-like pacing»، ويؤسس لحالة ترقّب مستمرة تُبقي المتلقي في حالة استعداد بصري ونفسي.
الذروة الدرامية تتجسد في مشهد الانهيار الأرضي الناتج عن حفريات مجاورة أضعفت الأساسات، حيث تسقط ثلاث طالبات في حفرة عميقة تمر عبرها مياه الصرف.
المشهد نُفّذ باحترافية تقنية واضحة، مستفيداً من خبرات في المؤثرات الخاصة والمشهدية، فجاء التكوين البصري (Mise-en-scène) متماسكاً، مع إدارة دقيقة للفراغ والعمق، ما عزز الإحساس بالعزلة والاختناق، ورفع منسوب التوتر دون إفراط في الاستعراض.
الكاميرا هنا لا تكتفي بالرصد، بل تشارك في صناعة المعنى؛ إذ تتحول الحفرة إلى فضاء اختباري للشخصيات، يكشف طبقاتها النفسية ويعيد ترتيب أولوياتها.
في المقابل، يبرز خط سردي موازٍ تقوده طالبة يحدوها حدس داخلي قوي، فتتحول إلى محرّك درامي يقود إلى اكتشاف الكارثة، ثم استدعاء فرق الإنقاذ، في مشاهد اتسمت بواقعية إجرائية «Procedural Realism» أعطت الحدث مصداقية وأبعاداً إنسانية.
على مستوى البناء الدرامي، ينجح الفيلم في تحويل الأزمة إلى أداة للمصالحة وإعادة تشكيل العلاقات، حيث تتبدد النزاعات الطبقية والاجتماعية بين الطالبات وذويهن أمام لحظة الخطر المشترك.
هذا التحول جاء منسجماً مع منطق السرد، ومنح النص بعداً أخلاقياً غير مباشر، بعيداً عن الوعظية.
أداء الممثلات الشابات اتسم بمحاولات جادة للغوص في العمق النفسي للشخصيات، ولا سيما في مشاهد الاحتجاز داخل الحفرة، حيث تطلّب الأداء حضوراً جسدياً وانفعالياً عالياً.
وبين الوجوه الحاضرة، تبرز أضوى فهد بأداء متوازن، استطاعت من خلاله أن تمنح شخصية المديرة بعداً إنسانياً يتجاوز القالب الإداري الصارم.
إنتاجياً، يحمل الفيلم توقيع أيمن طارق جمال ومحمد طارق علوي، في تجربة تؤكد أن الصناعة السينمائية السعودية تمضي بخطوات مدروسة نحو احترافية أكبر، مستفيدة من شراكات عالمية دون التفريط بهويتها المحلية.
إشراف جهة عالمية على ضبط الإيقاع لا ينتقص من القيمة الفنية، بل يعكس وعياً بأهمية المعايير الدولية في صناعة صورة قادرة على المنافسة.
في المحصلة، «جرس إنذار الحفرة» ليس مجرد جزء ثانٍ، بل محاولة لتطوير اللغة البصرية والرهان على سينما شبابية تمزج بين التشويق والبعد الاجتماعي، في تجربة تؤشر إلى نضج متدرج في مسار الإنتاج السعودي، ورغبة واضحة في صناعة سردية محلية بأدوات عالمية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك