لا تحتاج السلطة دائماً إلى إشهار السلاح لترسيخ الإخضاع، وإن ظلّت اليد على الزناد؛ فالجسد هو المدخل الأكثر إحكاماً للهيمنة، لا تكتفي السلطة بامتلاك الحيّز المكاني، بل تسعى للتحكّم في كيفية ظهور الجسد، حركته، وتوقيت معاقبته، وصولاً إلى محوه تماماً.
من حافلة في القاهرة، إلى زنزانة مُعتمة، وصولاً إلى أرض محتلة؛ تتعدّد الوجوه والأدوات، لكن المنطق يظلّ واحداً: اتخاذ الجسد مُرتكزاً لإطباق السيطرة.
في واقعة التحرّش بـ" مريم" داخل حافلة عامة بالقاهرة، لم تكن الصدمة في الفعل الجرمي ذاته فحسب، وإن بقي صادمًا، بل في" الهجوم المجتمعيّ" الذي تلاها، والاتفاق شبه العام في قطاعات مختلفة هجومًا على الضحية وتجريمًا مبدئيًّا لها، تُرتجلُ مبرّراته فيما بعد، والذي أدّت فيه صحف ووسائل إعلام" كبرى" أداءًا دنيئًا، بوصفه جزءاً من الحملة.
يمارس المجتمع سلطة مشوّهة (وهي جزء من مُتتالية القهر التي تحكم حياتنا) تتجاوز غياب الدولة والشرطة أو تنطلقُ منها، إذ سلوكها وأداؤها يرسّخان سلوكات وجرائم كهذه، وإن ادّعى الخطاب الرسمي غير ذلك؛ سلطة" أخلاقية" تُعيد تعريف الجريمة لتصبح" نتيجة طبيعية" لخروج الجسد عن القالب المرسوم له، والذي ينتظر أن يستجيب لكلّ تغيّر مُتوقّع منه من دون اطلاعه عليه أيضاً.
تسعى السلطة للتحكّم في كيفية ظهور الجسد، حركته، وتوقيت معاقبته، وصولاً إلى محوه تماماً.
هنا لا يُعامل جسد المرأة بوصفها ذاتاً حرّة، بل مساحة مُشاعة يُستباح ضبطها وتقويمها، التحرّش في هذا السياق لا يُدان، ولا يتمّ التعامل معه بوصفه موضع تحقيق أيضاً، بل تُهاجم الضحية وتصبح هي موضع الاستجواب، بينما يتوارى الجاني خلف الستر المجتمعي، والذكوري والديني والأمني والسياسي (تكاتف نهش).
إنّها السلطة التي تُمارس باسم" الطبيعي" و" المألوف" وتعاقب على" علو الصوت" و" سوء الأدب" حال صراخ الضحية أو شكواها، وهي لا تقلّ قسوة عن بطش الدولة أو لعلّها جزء منه، إذ تجرّد الإنسان من ملكية جسده وتحوّله إلى ملكية عامة.
بينما يمارس المجتمع سلطة الوصاية، تنتقل الدولة إلى" السلطة العارية" في تعاملها مع أجساد المعارضين، كما في حالة محمد عادل وكلّ المعتقلين، خاصّةً" الأمنيين/العناصر" منهم، هنا، يتحوّل الجسد من كيان إنساني أو حتى ملف قانوني إلى نموذج عقاب، وعينة لتجربة درجة الانكسار والإخضاع.
تُهاجم الضحية وتصبح هي موضع الاستجواب، بينما يتوارى الجاني خلف الستر المجتمعي والذكوري والديني والأمني والسياسي.
وخلافاً لما ذهب إليه ميشيل فوكو حول تحوّل العقاب من التنكيل بالجسد إلى تقنيات" الضبط" الحديثة، نجد الأنظمة السلطوية/الفاشية تعود بالجسد إلى مركز الاستهداف المباشر، من دون أن تتخلّى عن تقنيات القمع الحديثة، ليس الهدف هو الإيذاء الفردي فحسب، بل تحويل الجسد إلى" رسالة ردع جماعية"، والأدهى من التعذيب هو محاولة محو أثره؛ حيث تُجرّم الرواية وتُحاصر الكلمة، وتُصادر الدولة حقّ الإنسان حتى في الاعتراف بألمه، ومن أسرته حقّ الشكوى والصراخ، وكأنّها لا تملك الجسد فقط، بل تملك حقّ تقرير وجود الألم من عدمه، ومن يخالف يُعاقب.
ميكانيكا الإبادة: الجسد الفلسطيني مخزنَ قطع غيار.
في الحالة الفلسطينية، تبلغ الهيمنة ذروتها بتجاوز" الحق في القتل" إلى" الحقّ في التفكيك"؛ حيث لا يُكتفى بتصفية الجسد فيزيائياً، بل يتم إخضاعه لعملية" نهش ما بعد الموت"، التقارير المروّعة حول سرقة الأعضاء وجلود الشهداء تكشف عن وجه استعماري لا يرى في الفلسطيني كائناً بشرياً، بل مادة خام مُستباحة، هنا، يتحوّل الجسد إلى ساحة للاستثمار؛ يُنتزع منه الجلد لترميم أجساد الغزاة، وتُسرق أعضاؤه لضمان بقائهم أو تصديره وبيعه كسياحة" زرع أعضاء"، في عملية" تدوير قسري" تحوّل الضحية إلى وقود حيوي لاستمرارية المستعمر وديمومة إبادته (فأجساد الضحايا لم تنته للتراب بعد قتلها، إنّها تعيش في حيوات أخرى، لقتلتهم).
الدولة التي تسرق الأعضاء لا تسلب الإنسان حياته فحسب، بل تسلبه" وحدة جسده" وقداسته.
إنّ هذا السلوك يمثّل أقصى درجات المحو المادي والمعنوي؛ فالدولة التي تسرق الأعضاء لا تسلب الإنسان حياته فحسب، بل تسلبه" وحدة جسده" وقداسته، وتحرمه حتى من حقّه في الدفن كجثّة في قبرٍ مُرتجل.
الجسد هنا لا يعود مجرّد جثة، بل يصبح مُختبراً ومخزناً لقطع الغيار، ممّا يرسّخ منطقاً عنصرياً يرى أنّ بعض الأجساد خُلقت لتكون" مانحة قسرية" لضمان تفوّق أجساد أخرى وبقائها، هذا يحوّل التقدّم الطبي من أداة لإنقاذ البشرية إلى أداة لـ" نهش" الوجود الفلسطيني، حيث تكتمل دائرة الإبادة بتحويل جثامين الضحايا إلى" بنوك حيوية" تخدم النظام الذي قتلها، في مفارقة هي الأشدّ توحّشاً في التاريخ الحديث.
إن ما يجمع بين سلطة المجتمع، وتوحّش الدولة، وعنف الاحتلال، أو حتى تحالف السلطة والنفوذ المُطلق (إبستين نموذجٍا) هو أنّ السلطة حين تتحلّل من المُساءلة، تتجه غريزياً نحو الجسد؛ لكونه الحلقة الأضعف والأكثر وضوحاً وختامية في معادلة الإخضاع.
لذلك، فإنّ الدفاع عن الجسد (سواء كان جسد امرأة، أو معتقل، أو إنسان تحت الاحتلال) ليس مجرّد انحياز أخلاقي، بل هو معركة سياسية بامتياز، الجسد هو المتراس الأخير، والحدود النهائية لما نملكه، وهو بالضبط ما تسعى كلّ أشكال السلطة لمصادرته؛ وهي خطوة أخيرة لإلغاء الإنسان.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك