قال لي معلمي في الجامعة: ذات يوم لاتقل أتعبتني المذاكرة لهذه المادة ونجحت بعد جهد؟ !!
بل قل الحمدلله الذي يسر وأعانني ونجحت.
في مشهدٍ يتكرر يوميًا داخل المكاتب، والمتاجر، والمؤسسات، وحتى في الأعمال الخاصة، نسمع العبارة ذاتها تتردد على ألسنة كثيرين: تعبت، أرهقني العمل، أثقلني الحمل.
وكأن الشكوى أصبحت جزءًا من روتين الإنجاز، لا يفصل بينهما إلا لحظة تسليم المهمة أو إغلاق الملف او الحصول على الشهادة.
وهنا السؤال الذي يفرض نفسه: هل الشكوى تُخفف فعلًا؟ أم أنها تضاعف الثقل النفسي قبل أن يخف الجهد الجسدي؟الواقع يشير إلى أن الإنسان، مهما أكثر من الشكوى، سيُنجز عمله في النهاية.
الموظف سيكمل ساعاته، وصاحب المتجر سيبيع ويشتري، ورائد الأعمال سيُتم صفقاته، ورب الأسرة سيقضي مسؤولياته.
العمل سيتم… سواء اشتكينا أم لم نشتكِ.
لكن الفارق الحقيقي يكمن في الطاقة التي ننجز بها، وفي الأثر الذي يتركه العمل في داخلنا.
عندما يعتاد الإنسان الشكوى للبشر، تتراكم عليه مشاعر السخط والضيق، ويتضخم العمل في عينه، حتى يبدو أكبر من حجمه الحقيقي.
وكلما كرر كلمات التذمر، زاد إحساسه بالإنهاك، وثقل كاهله، وتضاعف شعوره بالضغط.
الشكوى لا تختصر الطريق، بل تجعل المسافة أطول نفسيًا، وأقسى شعوريًا علاوة على أنها رسالة سلبيه للنفس.
حين يبدأ الإنسان عمله بقوله الحمد لله، وحين يعترف بأن الله يسّر وأعان، تتغير المعادلة.
لا لأن العمل أصبح أقل جهدًا، بل لأن النفس أصبحت أكثر اتزانًا.
الامتنان لا يُلغي التعب، لكنه يخفف وطأته، ولا يُنقص المسؤولية، لكنه يمد صاحبه بطاقة إضافية.
قال علماء النفس أن تكرار عبارات الامتنان يعيد برمجة الذهن ليركز على النعمة بدل العناء، وعلى الفرصة بدل العبء.
وهنا يتضاعف الأثر؛ فالإنسان الذي يرى عمله نعمة سيؤديه بروح مختلفة عن ذاك الذي يراه عقوبة يومية.
قال تعالى: (فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)”.
المفارقة اللافتة أن كثيرًا ممن يكثرون الشكوى يواصلون العمل نفسه بإتقان، ما يعني أن القدرة موجودة، لكن الخطاب الداخلي هو الذي يستنزفهم.
فبدل أن يقول أحدهم أثقلني العمل، لو قال يسّر الله وأعان، لانتقل من دائرة الاستنزاف إلى دائرة الامتداد.
الشكوى المستمرة لا تُغير الواقع بقدر ما تُضعف صاحبه، أما الرضا الواعي فيُعطي الإنسان قوة فوق قوته، ويمنحه ثباتًا نفسيًا ينعكس على جودة أدائه وعلاقاته ورضاه الذاتي.
إن القضية ليست في حجم العمل، بل في طريقة النظر إليه.
فالعمل سيُنجز في كل الأحوال، لكن إما أن ننجزه ونحن نجرّ أقدامنا تحت وطأة التذمر، أو ننجزه بقلب مطمئن يرى في كل مهمة فرصة جديدة للنمو.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك