تطرح الباحثة كاميّ دو فيلنوف على تتابع صفحات كتابها أسئلة تزلزل بداهات الحب والعاطفة: هل يستطيع الإنسان حقاً أن يحبّ من غير غاية، ومن غير رغبة في امتلاك الآخر أو انتظار ردّ الحبّ؟ وهل يمكن أن يكون الحبّ فعلاً موجهاً إلى الله، أو إلى الحياة، أو إلى الوجود نفسه، حبّاً متحرّراً من كل حساب، منزّهاً عن كل أمل في الجزاء؟تُقدّم دو فيلنوف، وهي كاتبة وأستاذة جامعية في كليّات لويولا في باريس متخصّصة بالفلسفة الوسيطة، رحلة فكرية في تاريخ" الحبّ المحض" الذي لا يطلب شيئاً، والمتجلّي في لحظاته القصوى كحالة من الفناء في الآخر أو في الوجود نفسه، هذا الفناء الذي تحدث عنه كبار المتصوفة كالحلاّج وابن الفارض والغزالي الذي قال إن حب الله الخالص هو" الإقبال على الله بكنه الهمة"، أي بقطع الإنسان همه عن الأهل والمال والولد والعلم، عابداً الله عبادةً قائمة على المحبة الخالصة، لا خوفاً من نار ولا طمعاً في جنة.
يقرأ الكتاب تاريخ هذا الحب على مدى ثمانية قرون، من أفلاطون إلى سيمون ڤايل، مروراً بمارغريت بوريت ومدام غويّون وفينيلون وسواهم من المفكرين والروحانيين.
تدافع الكاتبة عن أطروحةٍ مفادها أن فكرة الحبّ المحض وُلدت في الغرب في حضن الفكر الديني والفلسفي، لكنها سرعان ما تحوّلت إلى مختبر روحي وإنساني.
ففي العصور القديمة، عند أفلاطون، كان الحبّ سعياً نحو الخير الأسمى وانشداداً نحو الجمال بوصفه طريقاً نحو الحقيقة المطلقة.
غير أن هذه الفكرة أخذت في العصور الوسطى طابعاً جديداً مع التصوّف والأسرارية النسوية، لا سيما في كتابات بعض المتصوفات.
ففي النصوص التي خطتها ريشة أولئك الناسكات، لم يعد الحبّ مجرّد علاقة بين النفس والله، بل صار انعتاقاً للرغبة الأنثوية وفتحاً لمساحة جديدة أمام الحرية الروحية، كذلك كتبت في القرن الثالث عشر المتصوفة والكاتبة المسيحية مارغريت بوريت (1250-1310) التي انتمت إلى جماعة دينية علمانية عرفت باسم" البيغين" ظهرت في مدينة لياج البلجيكية في أواخر القرن الثاني عشر، فالتحقت بها بعض النسوة العازبات أو الأرامل بغية عيش الحياة الرهبانية من دون أن تقدمن نذورهن الأبدية.
ففي كتابٍ خطّته باللغة الفرنسية القديمة تحت عنوان" مرآة النفوس البسيطة والمُتلاشية، والتي لا مقام لها إلا في الإرادة والرغبة"، تحدثت بوريت عن حبّ النفس التي يلمسها الله، واصفةً إياه بأنه حبّ لا يطلب الخلاص، بل يرضى أن يُباد.
هذا الحبّ غير المشروط والمجرّد من المصلحة اعتُبر آنذاك تجاوزاً لتعاليم الكنيسة.
لذا أحرقت مارغريت بوريت عام 1310 في إحدى الساحات العامة في باريس.
أما في العصور الحديثة، فتقول دو فيلنوف إن المعادلة تغيّرت.
إذ أصبح الحبّ الخالص اقتراب من التضحية ومن الألم الميتافيزيقي ومن الإرادة التي تقبل أن تحبّ حتى من يُعاقبها.
هكذا تبدى هذا الحب بعرفها في كتابات مدام غويّون (1648–1717)، المتصّوفة الفرنسية التي التف حولها جمع من المريدين، وعلى رأسهم اللاهوتي والفيلسوف والشاعر الفرنسي فرنسوا فينيلون (1651-1715)، بعد انتمائها إلى تيار روحي" هدوئي" عرف باسم" الكييتيـزم" أسّسه الإسباني ميغيل دي مولينوس في القرن السابع عشر.
فبالنسبة إلى أتباع هذا التيار، كان الحب المجرد من كل مصلحة، حتى من الأمل بالخلاص، هو حجر الزاوية في كتابات مدام غويون وفينيلون، اللذين ركّزا في نصوصهما على الروحانية الداخلية وعلى سلام النفس الذي لا يكون إلا بالاستغراق في تأمل إله كلي الوجود، وفي استسلام النفس له استسلاماً كاملاً محباً، قائلين لنا إنه في مثل هذا الحب الإلهي المحض، لا يعود لأمور الدنيا من وزن، وفي مثل هذا التسامي الروحي، يجوز للمرء أن يهمل كل الطقوس الدينية.
لكنه على رغم ذلك يرقى إلى السماء، لا بعد الموت فحسب، بل في الحياة أيضاً.
وقد عبّرت مدام غويون عن هذه الآراء في كتب عدة.
فزعمت أن النفوس أشبه بالسيول التي انبثقت من الله، وأنها لن تجد الراحة حتى ترجع إليه، تماماً كالأنهار التي يبتلعها البحر.
وإن النفوس، إن عاشت هذا الاختبار، فستجد أن الفردية ستتلاشى، وأن الوعي بالذات أو بالعالم، بل الوعي كله سينتهي، لأنه لن يبقى في نهاية الأمر إلا الله.
ولعل رابعة العدوية التي ولجت أبواب الزهد والتصوف، وأقبلت على ربها، جاعلةً حبه مدار زهدها، جسدت في الإسلام هذا الحب الطاهر الذي لا يريد سوى وجه الله ومحبته ورضاه.
لكن هل هذا الحبّ المجّاني نعمة أم نقمة؟ وهل النقاء الذي يطالب به هذا" الحبّ المحض" أو" الخالص" ممكن في الأصل؟تتولّى كاميّ دوفيلنوف في هذا الكتاب معالجة هذين السؤالين، ساعيةً إلى درسهما من خلال نصوص العصور الوسطى والعصور الحديثة، لا سيما تلك التي تتحدث عن مفهوم الرغبة.
ولعلها تُفكّك المقولات الجاهزة، معيدةً قراءة نصوص مارغريت بوريت ومدام غيون وفينيلون وسيمون ڤايل وإيتي هيلِسوم وفلاديمير جانكلفتش وغيرهم، متوقفةً عند إمكانية أن تكون الرغبة سبيلاً إلى لا نهائية العالم، ونوعاً من التمتّع الحقيقي بالحياة خارج كلّ ارتباط جنسيّ أو زوجيّ.
هذا هو في مرآة اللاهوت والفلسفة والتاريخ، الدرس الذي يقدّمه لنا هذا الكتاب الباحث في مسألة الحبّ الخالص، الحبّ الذي لا ينتظر شيئاً والذي يبدو في ظاهره نقياً، لكنه في الواقع يخفي وجهاً مأساوياً يقود الإنسان إلى نكران ذاته وامحائها.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field).
تطرح كاميّ دو فيلنوف إذاً على تتابع فصول كتابها الأسئلة الآتية: هل يمكن أن يوجد الحبّ الخالص حقاً؟ أليس في كلّ حبّ رغبة وانتظار وتوق إلى الآخر؟ وهل النقاء المطلق ممكن من دون تدمير الذات؟ وهل الله وحده هو غرض" الحبّ المطلق"؟ وهل يحقّ للإنسان أن يطلب من نفسه المستحيل؟ هنا تبرز المعضلة الفلسفية التي تعالجها المؤلّفة بدقّة والتي تبيّن أن الحبّ العقلي الذي تمجّده الفلسفة الأفلاطونية، حين يتحوّل إلى حبّ قربانيّ يقبل التضحية بنفسه كما في الفكر الصوفي، قد ينقلب إلى نفي للحياة ذاتها، كاشفةً لنا أن تاريخ" الحبّ الخالص" ما هو إلا توتّر دائم بين الفكر والرغبة، بين السموّ والانكسار.
فكلّما سعى الإنسان برأي دو فيلنوف إلى تنقية حبّه من الاهتمامات الدنيوية، واجه خطر تلاشي الإنساني فيه.
هذا ما عبّرت عنه في القرن العشرين، كتابات سيمون ڤايل (1909-1943) وإيتي هيلسوم (1914-1943)، وفلاديمير جانكلفتش (1903-1985).
فعند ڤايل، ما الحبّ إلا امحاء تامّ أمام الوجود الإلهي، إذ لا يُمكن لنا أن نحبّ الله، إلا إذا قبلنا أن نُمحى أمامه.
أمّا إيتي هيلسوم التي عاشت مأساة المحرقة اليهودية خلال الحرب العالمية الثانية، فقد جعلت من الحبّ فعلاً من أفعال المقاومة الروحية.
ففي حياتها المبعثرة والقلقة، وجدت هيلسوم الرب في معسكرات الاعتقال، وقد غيّرها الإيمان، فتحوّلت إلى امرأة مفعمة بالمحبّة والسلام الداخلي، امرأة قادرة على القول إنها تعيش في صلةٍ دائمةٍ مع الله.
أما في قراءة فلاديمير جانكلفتش لميتافيزيقا الحب الخالص، فتوضح لنا دو فيلنوف كيف أصبح هذا الحبّ في نصوصه تجربة أخلاقية مطلقة، لا تبرير لها سوى ذاتها، تجربة تتجاوز كلّ عقلانيّة وتؤسّس للإنسانية وللأخلاق الحقّة.
ذلك أن الحبّ" من أجل لا شيء" هو بعرفه الخير الأسمى، لا وسيلة للوصول إليه.
يجمع أسلوب كاميّ دو فيلنوف بين الدقّة الفلسفية واللمسة الأدبية.
فهي تكتب كفيلسوفة تحللّ المفاهيم، وكروائية تعرف كيف تمنح الفكرة حياةً وسرداً.
نصّها غنيّ بالمراجع من أفلاطون إلى المتصوّفة، ومن فينيلون إلى ڤايل، مروراً بتراث طويل من الجدل اللاهوتي حول النعمة والمحبة والحرية.
لكنّ الجديد في كتابها الذي لا يقدّم" تاريخاً" للحبّ فقط في زمن اختزل الحبّ في المتعة أو المصلحة، هو تحويلها مفهوم الحب الخالص إلى مرآة نتأمّل فيها ذواتنا، انطلاقاً من فكرة أن الحبّ هو، في ذاته، حقيقة الوجود.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك