مع اقتراب نهاية شهر شعبان، تتجه أنظار الملايين من المسلمين حول العالم نحو السماء، بانتظار تلك اللحظة الروحانية التي يُعلن فيها ميلاد هلال شهر رمضان المبارك، إلا أن هذا العام، تأتي ليلة الشك محملة بحدث فلكي استثنائي يجمع بين المتناقضات؛ إذ تفرض ظاهرة كسوف الشمس نفسها كلاعب رئيسي في حسم الجدل حول رؤية الهلال، فبينما يترقب الجميع بزوغ خيط النور الأول للقمر الجديد، تدخل الشمس والقمر في حالة اقتران تام، ليرسما معًا مشهدًا مهيبًا للكسوف في بعض مناطق العالم، ويضعا في الوقت ذاته تحديًا كبيرًا أمام لجان الرؤية الشرعية، فهل تعيق هذه الظاهرة الفلكية رؤية الهلال بالعين المجردة؟هل يعيق كسوف الشمس رؤية هلال رمضان؟وتعتمد رؤية الهلال بشكل أساسي على حدوث عملية الاقتران، وهي اللحظة التي يمر فيها القمر من أمام الشمس، ثم يبدأ بعدها بالابتعاد عنها تدريجيًا ليتولد الهلال الجديد، إذ يقول المهندس عصام جودة، رئيس مجلس إدارة الجمعية المصرية لعلوم الفلك وعضو الاتحاد العربي لعلوم الفضاء خلال حديثه لـ«الوطن» إنّ الكسوف في جوهره يعتبر تجسيدًا لهذا الاقتران، حيث يمر القمر أمام الشمس وفي نفس مستواها تمامًا؛ وبناءً عليه، فإن حدوث الكسوف يسبق دائمًا ظهور الهلال، إلا أن وقوع الكسوف قبل غروب الشمس بساعات قليلة يعني عمليًا عدم القدرة على رؤية الهلال.
ويحدث الكسوف في تمام الساعة 2 ظهرًا تقريبًا بتوقيت القاهرة، بينما يتبقى على وقت المغرب 4 ساعات فقط، وهي مدة غير كافية لكي يبتعد القمر عن الشمس بدرجة تسمح للهلال بأن يكبر ويصبح مرئيًا بالعين المجردة أو الأجهزة، مما يعني أن الهلال سيكون موجودًا فلكيًا لكنه غير قابل للرؤية، بحسب رئيس الجمعية المصرية لعلوم الفلك.
ويقول رئيس الجمعية المصرية لعلوم الفلك إنّ ظاهرة الكسوف تقدم لنا معلومتين في غاية الأهمية؛ الأولى هي تأكيد دقة الحسابات الفلكية بشكل قطعي عندما يحدث الكسوف في وقته المحسوب بدقة، والثانية هي أن حدوثه في وقت قريب من المغرب يؤكد أن الهلال لن يكون مرئيًا يوم الثلاثاء، وحيث إن يوم الثلاثاء سيوافق 29 من شهر شعبان في مصر والسعودية وعدة دول أخرى، فإن استطلاع الرؤية سيكون في ذلك اليوم، ووقتها سيتواجد الهلال فلكيًا بعد الغروب بدقائق معدودة ولكن مع استحالة رؤيته بالبصر، وفي هذه الحالة، يرجع القرار النهائي لموعد بداية شهر رمضان المبارك إلى فضيلة المفتي، وما إذا كان سيقرر الاعتماد على الحسابات الفلكية المؤكدة لوجود الهلال، أم سيتمسك بشرط الرؤية البصرية الفعلية.
ويضيف أنّه رغم أن ظاهرة الكسوف هذه لن تكون مرئية في مصر، وستقتصر رؤيتها على مناطق محدودة جدًا حول العالم مثل بعض دول جنوب أفريقيا والمحيط الهندي والقارة القطبية الجنوبية، إلا أن تأثيرها على عملية استطلاع الهلال يظل قائمًا وشاملًا، فعدم رؤية الكسوف في معظم دول العالم لا ينفي حقيقة تأثيره الفلكي؛ إذ إن وقوع الكسوف في وقت قريب من غروب الشمس يعطي معلومة يقينية ومسبقة بأن الهلال لن يمتلك الوقت الكافي ليزداد حجمه ووضوحه بالقدر الذي يتيح رصده ورؤيته ليلة الشك.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك