في أواخر فصل الصيف حينما تضئ البروق جداريات الأفق الجنوبي، ويأتي ( الدعاش) محملاً بعساف الكتر وأنفاس السعات والهبيل والدروت من دار حمر ترفع الإبل أعناقها الطوال بديار الكبابيش والكواهلة وعموم دار الريح وهي تردد مع شاعرة الكبابيش:
*فدار حمر أرض طيبة تكثر فيها الأرزاق وتحسن فيها الأخلاق.
أشتراها الحمر بحر مالهم من سلاطين الفور.
ولشدما أحزننا ما حاق بها من فواجع.
وما استغربنا صنيع الفارس العجوز الشهيد عبد القادر منعم منصور وهو يحرن في داره، فهو سليل منصور وقراض القش من أولي البأس والسابقة في الجهاد فهو ( فضلة سيف وعقاب كتله)، فأجداده كانوا أقطاب الرحى في كرري وغيرها من معارك السودان المبيرة من لدن أغردات إلى كسلا وعلى أمتداد أرض السودان كان فرسان حمر حملة رايات الجيوش من لدن حمدان أبو عنجه الغشيمي وعبد الرحيم أبو دقل الغريسي وكلاهما قاتل في الحبشة.
وقد أخبرني حسين الروب حفيد أبي عنجة أن جده كان صياداً بام حوش شرق دارفور وأنه في مرة أردى ثلاثة سباع بثلاث طلقات متتالية.
*ودار حمر على سعتها وخصوبة أرضها كانت شديدة القسوة، فهي قوز لا توجد بها ( مماسك) الماء.
وكانوا يلجأون إلى خزن الماء في أشجار التبلدي ويشربون من ( قلاب البطيخ)، وعروق الأشجار.
وقد أخبرني شيخ حمري أنهم كانوا يحفرون عروق أشجار الحميض وأن العرق الواحد يملأ الجرة ماءً صافياً ولكنه مر كالحنظل.
وقد دجن هؤلاء الرجال هذه البيئة القاسية بعزائمهم الصلبة، ولا توجد قبيلة في السودان تجيد الرعي والزراعة في آن واحد إلا حمر، والجمع بينهما مثل الجمع بين الماء والنار.
*وقد أفتى العلامة محمد سالك ولد خيّ وهو يرى البهائم تموت عند أبواب دونكي اللعيت أبو حبيلات بحرمة السكنى بمثل هذه البلاد وحّمل جماله بمكتبته وارتحل صوب النهود.
وبعد تلك المعاناة ارتوت دار حمر وكثرت فيها المياه.
*ودفن بأبو زبد شيخ الطريقة التجانية الولي الكامل الشريف حسين بن عمر وقد أخذ عنه الناظر منعم منصور.
وأقام بالنهود العلامة جديد الترجماوي الذي ناظر علماء الأزهر فسلموا له بالتبحر في العلم وقد خلفه العالم عباس الصائغ أمام مسجد النهود الكبير وأقام بالنهود العالم الجليل الشيخ كرسي.
ومر بدار حمر برحلته الحجازية العلامة ألفا هاشم الفوتي ونزل بقرية ود قاسم وأكرمه أهلها غاية، و دعا لهم بالخصب والبركة.
وألفا درجة علمية تعني الذي يحفظ ألف متن وقد ناظر الشيخ ألفا هاشم علماء الحجاز وألقوا له السلاح وجاور بمدينة الحبيب (ص) وهو يتمثل بقول الشاعر:
*وانتهى المطاف بالعلامة سعد الدين الفولاني الملقب بسيبويه زمانه إلى مدينة أبو زبد من أرض الحمر وقد جاء قافلا من الحجاز صحبة شيخه السيد محمد المختار التيشيتي الشنقيطي.
ويرقد بالنهود الشريف المعمر محمد الأمين الكوري من أهل الأسانيد العالية في الطريقة التجانية من تلامذة سيدي محمد الغالي بو طالب الفاسي.
وسكن بدار حمر الشريف المعمر الرحالة محمد أحمد أبو عبد الله عم الإمام المهدي دفين كوستي وقد تزوج بجريبان وكان يقيم مع الشرتايه أمحمد ود عبيد الله وكان يذهب في سياحات طويلة تصل إلى الحوض الشرقي في مورتانيا.
*وجاء إلى دار حمر المجاهد الكبير محمد إبراهيم ول الباشا الكنتي من تلامذة وقادة المجاهد الكبير الشيخ ماء العينين ببلاد السماره.
وقد أقطعه الناظر منعم منصور أرضاً بحلة خميس تجاه صقع الجمل وجلس في ذلك المكان إلى أن توفاه الله.
وجاء إلى دار حمر ودفن بحلة آدم جدي ( غربانية عيال بخيت) المجاهد حسن التايب الورفلي الليبي الذي جرح جرحاً بليغاً في معركة القرضابيه الشهيرة ضد الطليان.
وأقام بدار حمر الشريف الناجي من أشراف الطائف وعمّر طويلاً وتوفي بالأبيض.
وأقام بدار حمر الشريف أبو فاطنه من ناس الشريف الهندي وكان يترحل مع الكواهلة أم عمار.
وأقام بالنهود الشريف الأسراري الكبير الشريف أحمد حماه الله التشيتي وكانت تربطه صداقة ومحبة بالناظر منعم منصور.
وقد أقام له الناظر منعم عزاءً مهيباً بعد وفاته بمدينة الأبيض.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك