روسيا اليوم - ألمانيا تسحب حق الإقامة من أكثر من 8 آلاف أجنبي في 2025 روسيا اليوم - تصاعد المقاطعة.. دول جديدة تنضم للاحتجاج على قرار اللجنة البارالمبية روسيا اليوم - زيادة الوزن و"وجه القمر".. مؤشرات على اضطراب خطير في هرمون الكورتيزول العربية نت - في خطاب حالة الاتحاد.. ترامب يشيد بإنجازاته الاقتصادية الجزيرة نت - خلافا لأسلافه.. ترمب يتجه لحرب مصيرية مع إيران دون مبررات وكالة سبوتنيك - تحطم طائرة "إف-16" تركية بعد إقلاعها. روسيا اليوم - إخراج نائب ديمقراطي أثناء خطاب ترامب حمل لافتة "السود ليسوا قرودا"! العربية نت - أسعار النفط تحوم قرب أعلى مستوياتها في 7 أشهر قبل محادثات أميركا وإيران روسيا اليوم - وسائل إعلام كورية شمالية: كيم جونغ أون "أعظم رجل في العالم" وقيادته بمثابة "معجزة" فرانس 24 - البنتاغون: القوات الأمريكية تعترض ثالث ناقلة نفط في المحيط الهندي
عامة

عبد الفتاح البرهان…سيرة تنقصها الفِكرْ والحِكْمة والإنجاز

سودانايل الإلكترونية

وُلد عبد الفتاح عبد الرحمن البرهان في ١١ يوليو ١٩٦٠ في قرية قندتو بولاية نهر النيل شمال السودان، وهي قرية تقع غرب مدينة شندي وتبعد نحو ١٧٣ كيلومترًا عن العاصمة الخرطوم، وينتمي أغلب سكانها إلى قبيلة ال...

ملخص مرصد
عبد الفتاح البرهان، المولود في 1960 بولاية نهر النيل، صعد إلى السلطة بعد ثورة ديسمبر 2018 دون رؤية سياسية واضحة. قاد انقلاب 2021 ضد الشراكة المدنية، ما أدى إلى انزلاق السودان نحو حرب شاملة. سيرته العسكرية تفتقر إلى إنجازات مؤسسية أو فكرية، وإدارته للأزمة الاقتصادية والسياسية عمّقت الأزمة الوطنية.
  • وُلد في قرية قندتو بولاية نهر النيل عام 1960 وتدرج في المناصب العسكرية دون إنجازات فكرية
  • قاد انقلاب 25 أكتوبر 2021 ضد الشراكة المدنية بعد ثورة ديسمبر 2018
  • غياب الرؤية السياسية والاقتصادية أدى إلى انزلاق البلاد نحو حرب شاملة
من: عبد الفتاح البرهان أين: السودان متى: منذ 2018 حتى الآن

وُلد عبد الفتاح عبد الرحمن البرهان في ١١ يوليو ١٩٦٠ في قرية قندتو بولاية نهر النيل شمال السودان، وهي قرية تقع غرب مدينة شندي وتبعد نحو ١٧٣ كيلومترًا عن العاصمة الخرطوم، وينتمي أغلب سكانها إلى قبيلة الشايقية.

وينحدر من أسرة ذات خلفية دينية تتبع الطريقة الختمية الصوفية؛ والده هو البرهان عبد الرحمن البرهان عبد الرحمن، ووالدته صفية الصديق التي تعود في نسبها إلى الشيخ علي الحفيان أحد مشايخ الصوفية في السودان.

نشأ ضمن أسرة كبيرة، وهو الثالث بين سبعة أبناء وبنتين، ودرس المرحلة الابتدائية والمتوسطة في مدارس قريته قبل أن ينتقل إلى مدينة شندي لإكمال تعليمه، ثم التحق بكلية الخدمة العسكرية السودانية ضمن دفعة الضباط رقم ٣١، ليبدأ مسيرته المهنية في الجيش التي قادته لاحقًا إلى أعلى المناصب العسكرية في البلاد.

ذاع صيته لا بسبب عمق سياسي أو رؤية استراتيجية، بل بصفته ضابطًا من المؤسسة العسكرية، حتى جاءته اللحظة التاريخية التي حقّق فيها ما يصفه البعض بـ”حلم والده” بأن يرى ابنه في موقع قيادة السودان، وهو حلمٌ عابر للأماني أكثر منه مخططًا سياسياً او مشروعا فكرياً.

في مسيرته داخل القوات المسلحة، يَظهر عبد الفتاح البرهان بوصفه ضابطًا مهنيًا ترقّى داخل السلم التقليدي للجيش أكثر من كونه قائدًا ارتبط اسمه بإصلاحات مؤسسية أو “إنجازات” نوعية.

تخرّج من الكلية الحربية، وخدم في جبهات الحرب في جنوب السودان ودارفور، وتولّى أدوارًا ميدانية/قيادية هناك، ثم تلقّى دورات تدريبية في الأردن ومصر قبل أن يتقدّم إلى مواقع أعلى؛ فبحسب عدة ملفات تعريف دولية، تولّى قيادة/إشرافًا على القوات البرية ثم أصبح رئيس أركان الجيش (فبراير ٢٠١٨)، ولاحقًا مفتشًا عامًا للجيش (فبراير ٢٠١٩) قبيل سقوط البشير، ما جعله ضمن أعلى دائرة القيادة العسكرية آنذاك.

أمّا ما يمكن عدّه “إنجازًا” بالمعنى المهني الصرف، إن اضطررنا للتسمية، فهو مرتبط بمهام تشغيلية لا بمشروع وطني؛ من ذلك تنسيق/إدارة نشر قوات سودانية في حرب اليمن ضمن التحالف الذي تقوده السعودية وفق تقارير صحفية دولية، وهو دورٌ رفع حضوره الإقليمي لكنه يبقى شديد الجدل سياسيًا وأخلاقيًا ولا يُعدُّ بناءً لمؤسسة الدولة بقدر ما هو أداء لمهمة خارجية.

الخلاصة؛ سيرته العسكرية المعروفة علنًا تُظهر خبرة جبهات وترقّي مناصب، لكنها لا تُظهر، بالقدر نفسه، مدرسة قيادة أو بصمة إصلاح مؤسسي داخل الجيش يمكن تقديمها “كإنجاز” مستقل باسمه.

في الممارسة العملية، عُرف عنه تجنّب قراءة المشهد السياسي بمعمق معرفي، والرقص حول الحقائق بدل مواجهتها، والاستناد إلى خطابٍ مصلحي أكثر من كونه تحليليًا أو استراتيجيًا.

لقد كان هذا النمط واضحًا خلال مراحل الانتقال بعد ثورة ديسمبر؛ إذ غاب عنه طرح رؤية واضحة لإدارة المرحلة الانتقالية، وتحوّل دوره من قائدٍ عسكري تقليدي إلى قائدٍ سياسي يمارس السلطة بلا مشروعٍ وطني، مما ترك الساحة مفتوحة لقوى أخرى، وأدى في النهاية إلى الانقلاب على الشراكة المدنية، وإجهاض آمال الانتقال الديمقراطي، وانزلاق البلاد نحو حربٍ مروّعة.

هذا الغياب للرؤية لم يكن تفصيلاً شخصيًا، بل تحوّل إلى خللٍ بنيوي في إدارة الدولة؛ فالقائد الذي لا يقرأ بعمق ولا يمتلك خريطة فكرية للحكم يميل، بطبيعته، إلى إدارة اللحظة لا صناعة التاريخ، وإلى التحالفات التكتيكية لا البناء الاستراتيجي.

لذلك رأينا البرهان يتأرجح بين مراكز القوة بدل أن يضبطها، يساوم على السيادة بدل أن يحميها، ويُمسك العصا من منتصفها حتى تنكسر فوق رأس البلاد.

لم يكن قادرًا على حسم سؤال السلاح الواحد، ولا على حماية الانتقال المدني، ولا على كبح اقتصاد الحرب الذي تغذّى على تردده.

ومع كل منعطف حاسم كان يختار الطريق الأسهل سياسيًا والأخطر وطنيًا، من الشراكة الملتبسة مع الدعم السريع، إلى الانقلاب على المدنيين، ثم إدارة حربٍ بلا أفق، حتى تحوّل هذا النمط القيادي إلى محركٍ ذاتي للانهيار، لا إلى جدارٍ يمنعه.

فمنذ أن صعد عبد الفتاح البرهان إلى واجهة السلطة بعد ثورة ديسمبر ٢٠١٨، لم يَعُد السؤال في السودان؛ من يحكم؟ بل؛ كيف تحوّلت الدولة نفسها إلى ساحة صراع على “حق الحكم” بالسلاح، لا بشرعية السياسة.

هذه قراءةٌ شاملة بالأرقام والأحداث، لمسار سبع سنوات تقريبًا؛ من “رئيسٍ للجيش/المجلس العسكري” إلى “رئيسٍ لمجلس السيادة”، ثم إلى قائدٍ في قلب حربٍ تُعرَّف اليوم بأنها أكبر أزمة إنسانية في العالم.

بدأ المشهد عمليًا في أبريل ٢٠١٩؛ يوم ١٢ أبريل ٢٠١٩ أعلن ابن عوف تنحّيه عن رئاسة المجلس العسكري الانتقالي، وأُعلن البرهان رئيسًا للمجلس العسكري بدلًا عنه.

ثم في ٢١ أغسطس ٢٠١٩، أدى البرهان القسم رئيسًا لمجلس السيادة الانتقالي في ترتيبات الشراكة الهشّة بين العسكريين والمدنيين.

وبين التاريخين تتلخص “اللحظة السودانية” كلها؛ انتقالٌ لم يُستكمل، ودولةٌ لم تُبنَ، وسلاحٌ لم يُحصر داخل مؤسسة واحدة، بل تمدّد خارجه حتى صار هو الدولة أو ينازعها وجودها.

اقتصاديًا؛ لم يرث البرهان “اقتصادًا طبيعيًا” أصلًا؛ السودان كان يخرج من عزلة دولية طويلة، ويحاول شق طريق إصلاحٍ قاسٍ لاستعادة التمويل وتخفيف الديون.

في يونيو ٢٠٢١ وصل السودان إلى “نقطة القرار” ضمن مبادرة الدول الفقيرة المثقلة بالديون، وهو تطور كبير كان يفترض أن يفتح باب تخفيف عبء ديون هائل.

لكن هذا المسار نفسه تعرض لصدمة سياسية عاتية في ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١؛ حين قام بالانقلاب على الحكومة المدنية بقيادة د.

عبدالله حمدوك، ثم أعلن حالة الطوارئ وحلّ الحكومة ومجلس السيادة عمليًا، واحتُجز رئيس الوزراء تحت الإقامة الجبرية بحسب تقارير رويترز.

ومن تلك اللحظة انكسر منطق “الانتقال” لصالح منطق “السلطة”، ثم انزلقت البلاد تدريجيًا إلى ما هو أبعد من الانقلاب؛ إلى حرب شاملة.

ولأن الأرقام لا تجامل أحدًا؛ فإن مؤشر التضخم في السودان كان مرآةً لانسداد الأفق.

بيانات البنك الدولي تُظهر أن التضخم (أسعار المستهلك) ظل مرتفعًا للغاية خلال السنوات التي تلت سقوط البشير وحتى آخر سنة متاحة على السلسلة (حتى ٢٠٢٢).

وفي المقابل، ظل نمو الناتج المحلي الإجمالي متذبذبًا على مدى فترة حكم ما بعد الثورة حتى ٢٠٢٤ وفق بيانات البنك الدولي.

أما صورة الناتج المحلي الاسمي (بالدولار) فتظهر أيضًا تقلبات واسعة حتى ٢٠٢٤.

وباختصار؛ لم تتشكل “سياسة اقتصادية للدولة” بقدر ما تشكلت سياسة “البقاء” تحت ضغط أزمات متتالية؛ ثم جاءت الحرب لتسحب الأرض من تحت أي محاولة جدّية لإصلاحٍ أو إعادة بناء.

سياسيًا؛ يُقدَّم اتفاق جوبا للسلام (٣ أكتوبر ٢٠٢٠) بوصفه إحدى محطات المرحلة الانتقالية، وقد وثقته رويترز باعتباره اتفاقًا بين الحكومة الانتقالية وعدد من الحركات المسلحة.

لكن حتى هذا “السلام الجزئي” لم يتحول إلى دولةٍ قادرة؛ لأن سؤال الأمن ظل بلا إجابة حاسمة؛ من يحتكر السلاح؟ ومن يقرر دمج القوات؟ ومن يملك الاقتصاد الموازي الذي يغذي البنادق؟

وهذه الأسئلة انفجرت أخيرًا في ١٥ أبريل ٢٠٢٣؛ يوم اندلاع الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، لتتحول البلاد إلى أكبر مأساة نزوح وجوع في الإقليم.

هنا تتقدم الأرقام بوصفها شهادة اتهام لا خطبة سياسية.

بوابة بيانات المفوضية السامية لشؤون اللاجئين (UNHCR) تُظهر أنه حتى ٢ فبراير ٢٠٢٦ بلغ إجمالي “المنزوعين قسرًا” نحو ١١٬٧٥١٬٧٢٠ شخصًا، مع تسجيل ٤٬٤٥٧٬٧٨٦ من “الواصلين الجدد” إلى خارج السودان (لاجئون/طالبي لجوء/عائدون) منذ اندلاع الحرب.

(بوابة بيانات المفوضية السامية للاجئين) وفي المقابل، خطة الاستجابة الإنسانية للسودان لعام ٢٠٢٦ تُقدّر “الناس المحتاجين” عند الإطلاق (ديسمبر ٢٠٢٥) بـ ٣٣٫٧ مليون، وتستهدف ٢٠٫٤ مليون، وباحتياجات تمويل تقارب ٢٫٩ مليار.

هذه ليست أرقامًا على ورق؛ إنها تعريفٌ عملي لمعنى “انهيار الدولة”؛ دولةٌ يساوي فيها عدد المحتاجين ثقل أمةٍ كاملة.

أما القتلى؛ فحتى هنا لا يوجد رقم واحد متفق عليه؛ لأن الحرب نفسها تُدار في ظلام المعلومات وانقطاع الإحصاء.

لكن أكثر المصادر تحفظًا وصرامة تُظهر حجم الكارثة؛ منظمة ACLED وثقت أكثر من ٢٨٬٧٠٠ وفاة مُبلّغ عنها حتى نهاية نوفمبر ٢٠٢٤ (بينها آلاف المدنيين)، مع تنبيهها إلى أن الأرقام مرجّح أن تكون أقل من الواقع بسبب فجوات الرصد.

وفي جهة أخرى؛ تُشير تقارير أممية ووكالات دولية إلى أرقام “تقديرية” أعلى بكثير؛ وفي فبراير ٢٠٢٦ نقلت وكالة أسوشيتد برس عن الأمم المتحدة أن القتلى “تجاوزوا ٤٠٬٠٠٠” مع نزوح “لا يقل عن ١٤ مليون”.

وفي الإطار الصحي/الوبائي للحرب؛ نشرت دراسة في The Lancet تقديرًا لوفيات “جميع الأسباب” في ولاية الخرطوم وحدها بين أبريل ٢٠٢٣ ويونيو ٢٠٢٤ بنحو ٦١٬٢٠٢ وفاة (مع هامش ثقة واسع)، وهو ما يلمح إلى أن “القتل” في الحروب لا يأتي فقط بالرصاص؛ بل بانهيار الخدمات والأدوية والغذاء.

ثم يأتي الجوع بوصفه الوجه الأكثر قسوة؛ لأن الحرب حين تطول تتحول إلى مجاعة صامتة.

في ٥ فبراير ٢٠٢٦ نقلت رويترز عن منظومة التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC) أن سوء التغذية بلغ “مستويات المجاعة” في منطقتين إضافيتين بشمال دارفور (أم برو؛ وكورنوي)، مع ارتفاع حالات سوء التغذية الحاد إلى ٤٫٢ مليون مقارنة بـ ٣٫٧ مليون في ٢٠٢٥ وفق نفس التغطية.

وهنا يصبح سؤال “إنجازات البرهان” سؤالًا معاكسًا تمامًا؛ أيُّ إنجازٍ يمكن أن يقف أمام بلدٍ يتوسع فيه الجوع بينما تتكسر خطوط الإمداد ويُغلق الطريق أمام العلاج؟من زاوية الحكم والمسؤولية؛ فإن جوهر تجربة البرهان منذ ٢٠١٩ ليس “قصورًا إداريًا” بقدر ما هو خللٌ في تعريف الدولة نفسها.

الدولة الحديثة تقوم، قبل أي شيء على احتكار العنف المشروع؛ أي أن السلاح لا يكون متعدّد الرؤوس داخل العاصمة والولايات.

وحين تتوسع قوة عسكرية موازية خارج الجيش النظامي ثم تُدار الخلافات معها بالصفقات والتوازنات بدلًا من الحسم المؤسسي، فإن الدولة تبدأ في التآكل من الداخل.

والنتيجة النهائية، كما رأينا، لم تكن “توازنًا” ولا “شراكة”، بل حربًا بين مركزين للسلاح.

لهذا؛ إذا أردنا تلخيص المسار منذ تولي البرهان رئاسة المجلس العسكري ثم مجلس السيادة، فالقصة ليست أنه “لم يبنِ مشروعًا تنمويًا” فقط؛ بل أنه قاد أو سمح بانزلاق الانتقال إلى انقلاب، والانقلاب إلى حرب، والحرب إلى نزوح وجوع وانهيار شامل.

ومهما حاولت الدعاية أن تستخرج من الركام “إنجازًا”، فإن معيار الحكم الأخير لا يُقاس بالخطب ولا بالوعود؛ بل بما تبقى من حياة الناس، وبما إذا كانت الدولة تحميهم أم تتركهم رهائن لعنفٍ مفتوح.

في اللحظة التي كان فيها السودان يلتقط أنفاسه بصعوبة، ويبدأ قطار التعافي الاقتصادي في التحرك ببطءٍ محسوب بعد سنوات العزلة والاختناق، جاء البرهان ليجذب مكابح الطوارئ بعنفٍ لا مبرر له.

في عهد حمدوك بدأت عجلة الإصلاح تدور؛ رُفعت البلاد إلى مسار تخفيف الديون، انفتحت أبواب التمويل الدولي، وتحسّن التنسيق مع المانحين، وبدأت مؤشرات الاقتصاد، وإن كانت هشة تتلمّس طريقها نحو الاستقرار.

لكن البرهان، بدل أن يحمي هذا المسار ويؤمّن الانتقال، اختار أن يقصفه من الداخل بانقلابه في ٢٥ أكتوبر، فحطّم الثقة الدولية، وأعاد السودان إلى دائرة العزلة، وأوقف القطار وهو في منتصف السكة، ثم دفع البلاد من بعد ذلك نحو هاوية الحرب التي ابتلعت ما تبقى من الدولة والاقتصاد معًا.

بعد انقلاب ٢٥ أكتوبر لم يكتفِ البرهان بإجهاض الانتقال المدني، بل فتح الأبواب على مصاريعها لعودة الدولة العميقة التي ثار الناس أصلًا لإسقاطها.

بدل أن يصون ما أنجزته لجنة إزالة التمكين، وإن كان جزئيًا ومتعثرًا، انحاز عمليًا إلى منظومة المؤتمر الوطني، فأعاد مفاتيح المؤسسات إلى أيدي منسوبيها، وأطلق موجة مراجعات وإلغاءات قرارات أفرغت اللجنة من معناها، وأعادت شبكات الكيزان إلى مواقع النفوذ في الخدمة المدنية، والاقتصاد، والأمن، والإعلام.

هكذا تحوّل الانقلاب من مجرد استيلاء على السلطة إلى عملية منهجية لإحياء التمكين ذاته؛ لا تفكيكًا للدولة الموازية، بل ترميمًا لها، ولا استعادةً للحياد المؤسسي، بل إعادة إنتاجٍ لنظامٍ سقط شعبيًا ثم عاد بقرارٍ عسكري.

كانت علاقة عبد الفتاح البرهان ومحمد حمدان دقلو (حميدتي) واحدة من بنود المشهد السوداني السياسية والعسكرية بعد سقوط نظام البشير، بدأت كتحالف عملي يقوده قاسم مشترك؛ الحفاظ على منظومة عسكرية تتمسّك بالسلطة في مواجهة المد المدني.

فقد ارتبط الاثنان منذ حرب دارفور أوائل الألفينات، وتعمّقت علاقتهما خلال الثورة ومع تشكيل المجلس العسكري الانتقالي في أبريل ٢٠١٩، حين أدرج البرهان حميدتي في أعلى هرم السلطة والرتب العسكرية، ما عطّله عن كونه مجرد قائد مليشيا إلى شريك في السلطة.

لكن هذه الشراكة لم تكن مؤسسة على رؤية موحّدة للدولة، بل على توازن مصالح بين جيش النظام التقليدي وقوة شبه موازية تمتلك مواردها الخاصة، خصوصًا تجارة الذهب والتمويل الخارجي.

لم يعرف للبرهان اي سجّل او محاولات جادة دمج قوات الدعم السريع في الجيش لتوحيد المؤسسة العسكرية وقطع الطريق أمام قدرات موازية تهدّد “احتكار العنف المشروع”، بينما حرص حميدتي على إبقاء قواته ككيان مستقل من أجل ضمان نفوذ سياسي واقتصادي يتجاوز مجرد التبعية للجيش.

وعندما انهار هذا التفاهم، تحوّل التحالف إلى عداء مفتوح تقاتل فيه القوات المسلحة تحت قيادة البرهان ضد قوات الدعم السريع بقيادة حميدتي، في صراع أفضى إلى حربٍ شاملة منذ أبريل ٢٠٢٣، أوقع آلاف القتلى وملايين النازحين، وحوّل خصومة عسكرية قديمة إلى نزاع سياسي إستراتيجي يهدّد وحدة الدولة نفسها.

دارفور كانت وما تزال المختبر الأكثر قسوة لفشل الدولة السودانية تحت قيادة البرهان.

فمن رحم حرب الإبادة في أوائل الألفية خرجت مليشيات الجنجويد التي أعيد تدويرها لاحقًا باسم “الدعم السريع”، قوةً مسلّحة خارج الدولة، تموّل نفسها بالنهب والذهب وتعمل بمنطق الولاء للأشخاص لا للقانون.

بدل أن يعالج البرهان هذا الجرح التاريخي بتفكيك المليشيات ودمجها مهنيًا داخل الجيش أو تفكيك اقتصاد الحرب، اختار أن يُشرعنها ويمنحها غطاءً سياسيًا وعسكريًا، فانتقلت ثقافة الإفلات من العقاب من أطراف دارفور إلى قلب العاصمة.

ومع اندلاع حرب أبريل ٢٠٢٣، عادت دارفور لتكون ساحة المجازر الأولى؛ تهجير قسري، قتل على أساس الهوية، وحصار إنساني خانق لكن هذه المرة بقدرات أعنف وتنظيم أوسع.

هكذا تحوّلت دارفور من جرحٍ يمكن تضميده إلى مرآة دامية تكشف أن من مكّن آلة العنف هناك هو ذاته من أطلقها لاحقًا على البلاد كلها.

تبدو شخصية البرهان كبرهانٍ على مفارقة التاريخ القاسية؛ أن الحظ قد يرفع رجلًا إلى القمة، لكنّه لا يمنحه حكمة القيادة ولا بوصلة الأخلاق.

لقد خدمته الصدفة أكثر مما خدمه العقل، وحملته أمواج اللحظة بدل أن يصنعها، فوجد نفسه في موضع السلطة دون أن يمتلك عدّتها المعرفية أو رؤيتها الأخلاقية.

وهكذا صار رمزًا لقائدٍ اصطادته اللحظة، لا رجل دولةٍ يصنع الزمن؛ يملك المقعد ولا يملك المعنى، يمسك العصا ولا يعرف الاتجاه.

وبينما كان عليه أن يكون سدًّا أمام العاصفة، أصبح هو ذاتها، فقاد السودان بلا قصدٍ نبيل وبلا مشروعٍ مُبصِر إلى مورد الهلاك، حيث تلاشت الدولة، وتفتت المجتمع، وانكشفت الحقيقة المُرّة؛ أن أخطر ما يمكن أن يصيب وطنًا ليس عدوه، بل حاكمٌ تخدمه الصدفة أكثر مما تخدمه الحكمة.

في هذه اللحظة المفصلية في تاريخ السودان، يقف البرهان عند مفترق طرقٍ لا يُغري فيه أيُّ مسارٍ بالطمأنينة؛ فالحرب التي أطلق شرارتها وانزلقت خارج سيطرته جعلته أسيرًا لمنطق السلاح الذي أراد أن يحكم به.

داخليًا، يظل مصيره مرهونًا بقدرة الجيش على الصمود في صراعٍ طويل يستنزف الشرعية والموارد معًا، بينما يتآكل رصيده السياسي كلما طال أمد الحرب واشتدّ ثمنها على المدنيين.

وخارجيًا، فإن ظلّ الرباعية واشنطن، الرياض، أبوظبي، القاهرة سيبقى حاضرًا كثقلٍ يضغط باتجاه تسويةٍ تُعيد ترتيب السلطة أكثر مما تُنهي المأساة، وقد يجد نفسه في النهاية طرفًا مُدارًا لا لاعبًا حرًّا، يُستدعى حينًا ويُهمّش حينًا آخر.

إن استمرّ في طريق العسكرة الشاملة، فالأرجح أن يخرج من التاريخ بوصفه قائدًا لحربٍ فشلت في الحفاظ على الدولة لا لبنائها؛ وإن اضطرّ تحت ضغط الداخل والخارج إلى القبول بتسويةٍ سياسية، فقد يجد نفسه متراجعًا إلى الظل، ينجو جسديًا لكن بلا إرثٍ وطني يُذكر.

وفي كل الأحوال، فإن السودان اليوم لا يُقاس بمصير رجل واحد، بل بقدرته على الإفلات من قبضة الحرب؛ فإذا انتصر منطق الدولة والقانون، سيصبح البرهان هامشًا في كتابٍ أثقل منه، وإذا انتصر منطق البنادق، فلن يكون حتى المنتصرون في مأمن من لعنة اللحظة التي صنعوها قبل أن يلتحق بالكلية الحربية ويتدرّج في مناصب الجيش، مشاركًا في حروب دارفور وصراع الجنوب دون أن يترك خلفه علامةً معرفية أو مشروعًا إصلاحيًا يرتبط باسمه.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك