بعد إنتصار شعار الثورة المجيدة حرية سلام و عدالة ثورة ديسمبر التي لطمت الكيزان لطمة الذل الأبدي.
الشئ الوحيد الذي كانوا صادقيين فيه أي معارضة الداخل.
أنهم كانوا في مستوى وعي متدني للغاية و غير مسبوق بعهد.
لم يظهر من بينهم من يلعب دور رجل المرحلة في تجسيد دور الشخصية التاريخية التي تظهر في لحظات إنقلاب الزمان حيث يظهر الحكماء و الفلاسفة و الإنبياء كما يقول المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي.
و بالمناسبة عظمة ثورة ديسمبر المجيدة و هزيمتها المذلة للكيزان هي التي قد أوحت لمعارضة الكيزان و هي في أدنى مستوى وعي لها بأن تكون صادقة و تجلى ذلك في قبولهم و بشكل جماعي بأن يأتي حمدوك من الخارج و يقودهم و يقود ثورة ديسمبر.
و قبولهم بقدوم حمدوك أكبر مؤشر على أن الكيزان و معارضة الداخل كانوا أبناء تاريخ الخوف و أعداء تاريخ الذهنيات و كانوا هم و الكيزان في مستوى وعي متدني غاب عن أفقه مفهوم الدولة الحديثة و مفهوم ممارسة السلطة في مجتمعات ما بعد الثورة الصناعية.
و الغريب أن حمدوك لم يفطن الى أن قبولهم به لكي يقودهم لأنهم هم و الكيزان في مستوى وعي متدني فيما يتعلق بمفهوم الدولة الحديثة و مفهوم ممارسة السلطة.
و لو فطن حمدوك لتدني مستوى وعيهم لما إنتظر لأكثر من ثلاثة شهور منتظر أن يعطوهوه مشروعهم و هنا تظهر قلة حيلة حمدوك و مساهمته في ضياع وهج الثورة.
و حينها قلنا له يا حمدوك لو كانوا عارفين ما كانوا جابوك لذلك عليك بأن تطرح فكرك و تبادر بفكر الشخصية التاريخية التي تتحدى تاريخ الخوف و تفتح نوافذ تاريخ الذهنيات و هيهات.
كان حمدوك ضعيف لدرجة قد أضحك عليه حتى الصادق المهدي و هو إمام الأنصار و أقرب لرجل الدين من السياسي و الصادق المهدي من أعدى أعداء ثورة ديسمبر و قد وصفها بأنها بوخة مرقة و لم يستحق بأن يزوره حمدوك و حينها كان روح الثورة.
و رغم قولي هذا في حمدوك إلا أنه يظل من بين النخب السودانية الأقرب للعب دور الشخصية التاريخية في هذه المرحلة لسبب واحد و هو أن العالم الخارجي ما زال يرى في حمدوك رمز الثورة و الأكثر تعبير عنها مظهرا و جوهرا مقارنة بمن أتوا به لكي يقودهم.
و حتى في جولتهم الأخيرة في أوروبا ظل حمدوك نورهم و نوارتهم.
و من هنا نقول لحمدوك عندما يأتي زمن مقابلتك للرباعية و روحها بالمناسبة فكر الولايات المتحدة الامريكية و الدليل أنها كان واضحة في بيانها و هو إبعاد الجيش الكيزاني و إبعاد صنيعته الدعم السريع و إبعاد مليشيات الكيزان و الدعوة لتحول مدني نقولها لك ثاني يا حمدوك أخرج رأس من بين كتفيك و قوم بدور الشخصية التاريخية لأن العالم الخارجي ما زال يرى فيك نور ثورة ديسمبر و ما زال ينتظر منك دور المنتصر على تاريخ الخوف و الفاتح لأبواب تاريخ الذهنيات و المستشرف لإنسانية تاريخية.
ثورة ديسمبر كانت ثورة شعب يحكي مسألة تقدم الشعب و سقوط النخب كما يقول الناقد السعودي عبد الله الغذامي عن ثورات الربيع العربي.
كانت مسيرة شعب يطلب الحرية بشكل جماعي و قد إنكشف أمامه كساد العقل الجمعي و هنا يأتي دور الشخصية التاريخية التي تتحدى تاريخ الخوف و تعلن أن العقل الجمعي قد كسد مثلما تحدى مارتن لوثر الكنيسة و أعلن فكرة الإصلاح الديني أنه قد لعب دور الشخصية التاريخية التي قد أعلنت أن العقل الجمعي الذي تمثله الكنيسة قد جاء زمن تجاوزه.
و هنا تكون الشخصية التاريخية قد تحدّت تاريخ الخوف و هنا نجد مارتن لوثر تحدى تاريخ الكنيسة و رصيدها في بنك تاريخ الخوف المتراكم عبر القرون الوسطى و فكرة الخلاص الأخروي.
و هنا يمكننا القول أن الشعب السوداني بعد ثورة ديسمبر كان في إنتظار شخصية تاريخية تتحدى تاريخ الخوف و رصيده في بنك الخطاب الديني الممتد عبر الخمسة قرون الأخيرة أي منذ قيام دولة الفونج و قد كانت ذات مسار معاكس لفكرة النزعة الإنسانية للعالم و قد كرست سطوة رجال الدين و قد إستعادت تاريخها في ظهور المهدية و عنفها و قطعها لفرصة ظهور فكر عقلاني.
الى أن جاء إنقلاب الكيزان ليعيد كابوس دولة الفونج و كابوس المهدية و في زمن الكيزان وصل الشعب السوداني قمة معاناته مع هلوسة الكيزان و كوابيسهم المرضية و محاولة الرجوع بالسودان الى عقل القرون الوسطى.
هذا هو رصيف تاريخ الخوف الذي يقف كالطود متحدي النخب السودانية بأن تتحداه و تتحدى الخطاب الديني المنغلق.
و لهذا قد حاولت الكتابة عنه أي عن الشخصيات التاريخية التي تتحدى تاريخ الخوف و تتخطاه بفكر عقلاني كما تخطت الحضارة الغربية هلوسات رجال الدين و أصبح الدين شأن فردي و أفق الرجاء بالنسبة للفرد و لا يمكن أن يكون تجارة رابحة لتجّار الدين في إستثمارهم في تاريخ الخوف و حديثهم عن فكرة الخلاص الأخروي.
لذلك قد كتبت مرارا و تكرارا منتقد كساد النخب السودانية و طرحهم لفكرة المؤالفة بين العلمانية و الدين و رأيت أن طرح الدكتور النور حمد لها يفتقر فيها فكره لفكرة كيفية تحدي تاريخ الخوف الذي تقوم به الشخصيات التاريخية و خاصة أن الدكتور النور حمد تلميذ الأستاذ محمود محمد طه و الأستاذ محمود محمد طه يعتبر أول سوداني قد تحدى تاريخ الخوف الكامن في ضمير الشعب السوداني منذ ليل الحياة و كشف رصيد رجال الدين في بنك تاريخ الخوف و فتح الطريق لمعرفة تاريخ الذهنيات الغائب عن رفوف مكتبتنا السودانية و حتى لحظة كتابة هذا المقال.
المضحك المبكي أن طرح الدكتور النور حمد لفكرة المؤالفة بين العلمانية و الدين يبتعد عن طرح أستاذه محمود محمد طه و يقترب كثيرا من الترقيع و التوفيق الكاذب الذي قدمه الأستاذ عبد الخالق محجوب في بحثه عن دور للدين في السياسة السودانية و سار على نهجه الأستاذ محمد ابراهيم نقد في حوار حول الدولة المدنية مخلصا لأستاذه عبد الخالق و خلص محمد ابراهيم نقد لفكرة العلمانية المحابية للأديان و بالمناسبة علمانية محمد ابراهيم نقد المحابية للأديان هي زهرة تاريخ الخوف التي أهداها محمد ابراهيم نقد للنخب السودانية الفاشلة و هي غير قادرة على تحدي تاريخ الخوف.
لذلك قد قلت في مقالات سابقة أن الدكتور عبد الله النعيم هو صاحب قصب السبق من بين زملاءه الجمهوريين و قد وصل بالفكرة الجمهورية الى منتهاها و هي فكرة طرحه للديمقراطية الليبرالية و فكرة علمانية الدولة و فكرة فصل الدين عن الدولة و يكون عبد الله النعيم قد تحدى تاريخ الخوف و ترقى في سلم تاريخ الذهنيات بمستوى منقطع النظير و ترك خلفه الدكتور النور حمد في إلتباس جعله لم يتخطى تاريخ الخوف و يكتشف تاريخ الذهنيات حيث تنكشف عبره و به رؤية أن الإنسانية تاريخية و أن الإنسان تاريخي.
و بالمناسبة الدكتور عبد الله النعيم و قد قلت ذلك من قبل أن كتاباته و أفكاره و حديثه عن العلمانية و فصل الدين عن الدولة و حديثه عن الليبرالية يتضح فيه بأنه قد فارق مقام القانوني التقليدي و تقدم في فكره عالم الإجتماع على القانوني التقليدي و ستكتشف الأجيال الآتية من جهة المستقبل أن الدكتور عبد الله النعيم عالم إجتماع تخطى مقام القانوني التقليدي و المؤرخ التقليدي.
نختم هذا المقال و نقول بأن حمدوك ما زالت الفرصة أمامه كبيرة بأن يستعيد مسار الثورة و هذه الفرصة لم يمنحها له الداخل السوداني بنخبه المتشظية.
هذه الفرصة الممنوحة لحمدوك للمرة الثانية آتية من باب أن العالم الخارجي ما زال له إمكانية سماع صوت حمدوك و يرى فيه نور ثورة ديسمبر المجيدة.
و بالمناسبة بيان الرباعية و خاصة إصراره على إبعاد جيش الكيزان و صنيعته الدعم السريع و إبعاد الكيزان يقول لنا أن العالم ما زال يحترم و يقدر الشعب السوداني و قد أنجز ثورة مجيدة و عظيمة و شبيهة بالثورات الكبرى التي تلحقها تشريعات كبرى.
و بالمناسبة الشعوب الأوربية و مفكريها ترى في ثورة ديسمبر ثورة قام بها الشعب السوداني و فيها قد أصبحت الحرية مطلب جماعي و من هنا تأتي فرصة أن بيان الرباعية و العودة للحكم المدني إعادة لإشعال شعلة الثورة التي لا تنطفي.
و من هنا نقول لحمدوك أن الفرصة التي منحها العالم الخارجي للثورة المجيدة و إمكانية سماع صوتك أجعلها فرصة الميلاد الثاني لك و للثورة رغم أن نخب الداخل منخورة و ضاربها السوس و أغلبهم قد ضل و فسد كما قال السيد المسيح في وصفه للكتبة و الفريسيين.
هاهم أتباع النسخة المتكلسة من الشيوعية السودانية لا هم لهم غير الهم الذي تحركه محاكاة الغريم و المنافسة على قيادة الشعب السوداني و هي كما يقول رينيه جيرارد منبع العنف بسبب المنافسة على قيادة شعب متوهمين بأنهم ورثته لا لسبب غير شرعية متوهمة عند الشيوعي السوداني بأنه دفع ثمنها بالسجون و المنافي و دماء قادته المقتولين.
لذلك يظن الشيوعيون السودانيون أنهم هم أصحاب الجلد و الرأس و هذا هو سبب عرقلتهم لأي إصطفاف في الداخل لصالح حمدوك و مكاجرتهم بلا وزن لأي جهد يبذله العالم لإعادة وهج الثورة حتى أصبحوا في عرقلتهم لمسار الثورة أسواء من الكيزان.
و بالمناسبة محاكاة الغريم التي تدفع الشيوعي السوداني تجعلهم يعادون أي قيادي يمكن أن يعطيه العالم إمكانية سماع صوته وإمكانية إعادة وهج الثورة.
و على أي حال يمكن لأي مراقب للحزب الشيوعي السوداني أن يرى أنه قد دخل في مرحلة التفاعل الموضعي الذي يقطع إستمرارية أي تفاعل لأي تجربة.
لذلك قلنا أن لحمدوك فرصة واحدة و هي إمكانية سماع العالم الخارجي لصوته و قد رأينا نجاح جولته في أوروبا في الأيام الأخيرة.
أما في الداخل المتشظي للنخب السودانية فهذا يحتاج لمراكز بحوث لكي تتحدث عن إمكانية كنس ما علق في أذهانهم من وهم قد جعلهم متحلقين حول جيش كيزاني في حربه العبثية ضد صنيعته الدعم السريع.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك