رغم اتساع قاعدة المواهب الكروية في آسيا، وخصوصاً في البلدان العربية، فإن حضور لاعبيها في الدوريات الأوروبية الكبرى لا يزال محدوداً ومتقطعاً، وغالباً بلا استمرارية، مقارنة بالحضور الكثيف والمتواصل للاعبين العرب القادمين من شمال أفريقيا.
وتعيد هذه المفارقة طرح سؤالٍ قديم متجدد: هل المشكلة في الموهبة، أم في المنظومة التي تُدير مسار اللاعب منذ خطواته الأولى؟ فالمتابع لمسارات الاحتراف يلاحظ أن الفارق لا يُختزل في الجودة الفنية بقدر ما يرتبط بعوامل بنيوية واقتصادية وتنظيمية، تتداخل فيها طبيعة الدوريات المحلية، وشبكات الكشّافين، وتوقيت الانتقال، وحتى الصورة الذهنية السائدة لدى صناع القرار في أوروبا عن اللاعب القادم من غرب آسيا.
المال والاستقرار… حين يتحوّل الامتياز إلى عائق.
في كثير من الدوريات العربية الآسيوية، ولا سيما في منطقة الخليج، ينشأ اللاعب في بيئة توفر له استقراراً مالياً واجتماعياً مبكراً.
هذا الواقع، الذي يُحسب لهذه الدوريات من زاوية التطوير المحلي، يحدّ في المقابل من" ضرورة الرحيل" التي تدفع لاعبين كُثراً في شمال أفريقيا إلى خوض تجربة الاحتراف الأوروبي في سن مبكرة، بل إن الراحة المالية محلياً تُضعف الحافز للمخاطرة، وتجعل خيار الانتقال إلى نادٍ أوروبي متوسط – براتب أقل وضغط أعلى – أقل جاذبية، حتى وإن كان أكثر فائدة على المدى البعيد لمسيرة اللاعب.
التوقيت.
أوروبا تريد اللاعب قبل اكتماله.
تعامل الأندية الأوروبية مع المواهب يقوم على مبدأ الاستثمار طويل الأمد؛ فاللاعب الذي يصل في سن 18 إلى 21 عاماً يمنح النادي هامشاً واسعاً للتطوير البدني والتكتيكي والثقافي.
في المقابل، تصل غالبية التجارب العربية الآسيوية متأخرة، بعد أن يكون اللاعب قد بلغ ذروة محلية يصعب تفكيكها أو إعادة تشكيلها وفق متطلبات الكرة الأوروبية.
ولا شك أن تجربة سالم الدوسري مع فياريال الإسباني، على سبيل المثال، جاءت في إطار إعارة قصيرة، لم تُبنَ على مشروع فني واضح، فانتهت سريعاً بالعودة إلى الدوري السعودي، رغم القيمة الفنية المعروفة للاعب ومسيرته القارية.
اللوائح وتصاريح العمل.
عائق صامت.
بعد التغييرات التي طاولت أنظمة تسجيل اللاعبين في بعض الدوريات الأوروبية، ولا سيما في إنكلترا، باتت تصاريح العمل مرتبطة بنظام نقاط يعتمد على قوة الدوري القادم منه اللاعب، وعدد مشاركاته الدولية والقارية، فوثائق الاتحاد الإنكليزي لكرة القدم حول" معايير تأييد الهيئة الحاكمة"، توضح أن اللاعب القادم من دوريات ذات تصنيف أدنى يحتاج مساراً أطول أو محطة وسيطة لاكتساب الأهلية، وهذا الواقع يفسّر لماذا ينجح لاعبون من شمال أفريقيا في العبور إلى أوروبا بسهولة نسبية، في حين يواجه نظراؤهم من غرب آسيا طريقاً أكثر تعقيداً، حتى عند امتلاكهم سجلاً دولياً جيداً.
وفي شمال أفريقيا، تشكّلت عبر سنوات طويلة منظومة متكاملة من الوكلاء والكشّافين والأندية الوسيطة، تُجيد تقديم اللاعب الأوروبي باعتباره منتجاً قابلاً للتطوير، في المقابل، تعاني كثير من المواهب العربية الآسيوية من ضعف إدارة المسار الاحترافي على غرار وكلاء لاعبين محدودي العلاقات، أو انتقالات غير مدروسة، أو قفزات غير واقعية نحو أندية أعلى من مستوى الجاهزية الفعلية، فالمشكلة لا تتعلق بندرة الموهبة، بل بغياب التخطيط المرحلي الذي يحوّل اللاعب من نجم محلي إلى مشروع أوروبي.
مواهب تستحق أوروبا… لكنها بقيت خارجها.
رغم هذه المعوّقات، برزت أسماء عربية آسيوية أكدت، على مستوى المنتخبات أو البطولات القارية، أنها تمتلك من الجودة ما يؤهلها للعب في أوروبا، إذا توفّر لها المسار المناسب.
ويُعد أكرم عفيف أحد أبرز هذه الأسماء؛ فاللاعب القطري خاض تجارب أوروبية مبكرة، قبل أن يستقر في السد، حيث واصل التألق محلياً وقارياً، مؤكداً أن مشكلته لم تكن في الموهبة، بل في غياب مشروع أوروبي طويل النفس.
الأمر ذاته ينطبق على مواطنه المعز علي، الذي لفتت إنجازاته التهديفية القارية أنظار منصات دولية، بينها تقارير للاتحاد الدولي لكرة القدم، دون أن ينجح ذلك في فتح باب أوروبي مستقر لمسيرته.
وفي السعودية، يُصنَّف سالم الدوسري من بين أبرز لاعبي القارة، وتُوّج بجائزة أفضل لاعب آسيوي، وفق ما أشار إليه الاتحاد الآسيوي لكرة القدم، لكن تجربته الأوروبية بقيت محدودة زمنياً وتأثيراً.
أما في الإمارات، فقد شكّل علي مبخوت نموذجاً للهدّاف الثابت لسنوات، غير أن محاولات الاحتراف الأوروبي لم تأتِ في التوقيت المناسب.
وفي العراق، يبرز اسم أيمن حسين واحداً من أهم مهاجمي المنتخب، لكن مساره المتنقّل بين أندية عدة حال دون بناء ملف احترافي متكامل يجذب الأندية الأوروبية.
ولا ننسى الأردن، التي أبهرت الجميع بنجومها في كأسي آسيا والعرب في قطر، فتألق يزن النعيمات وعلي علوان ومهند أبو طه وكثيرون، في حين كانت لموسى التعمري حصة الأسد في النجومية، وهو اللاعب الأردني الأول ومن القلائل الذين ينجحون على الصعيدين المحلي والعربي في الاحتراف الأوروبي حيث يلعب مع رين الفرنسي.
ولا يبدو الفارق بين عرب آسيا وعرب أفريقيا في الوصول إلى أوروبا مرتبطاً بالموهبة وحدها، بل بالمنظومة التي تُنتج اللاعب وتُدير انتقاله، لأن دوريات أوروبا لا تكتفي باللاعب الجيد، بل تبحث عن لاعب يصل في الوقت المناسب، وبالملف المناسب، ومن السوق المناسب، لذا بين الاستقرار المالي المحلي، وتعقيدات اللوائح، وضعف شبكات التسويق، تُهدر فرص مواهب عربية آسيوية كان يمكن أن تكون جزءاً طبيعياً من المشهد الكروي الأوروبي لا استثناءً عابراً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك