شهدت مصر خلال الأيام القليلة الماضية تداولاً واسعاً لقضية الشابة مريم شوقي، المعروفة إعلامياً باسم" فتاة الأتوبيس"، وذلك عقب نشر مقطع فيديو عبر منصات التواصل الاجتماعي، ظهرت فيه وهي تتهم شاباً بسرقتها والتحرش بها داخل حافلة نقل عام في منطقة المقطم بمحافظة القاهرة.
وأثار المقطع الذي تم تداوله على نطاق واسع، حالة من الجدل والتفاعل الكبيرين بين رواد مواقع التواصل الاجتماعي.
وبحسب ما نشرته الفتاة عبر حسابها الخاص على" فيسبوك"، فإن الواقعة بدأت عندما نشرت عدة مقاطع مصورة، قالت فيها إن شابا قام بمضايقتها لفظيا وتتبعها أثناء ركوبها الحافلة عقب خروجها من عملها، مشيرة إلى أنها حررت محضرا بالواقعة في قسم الشرطة، قبل عرض الأمر على النيابة العامة.
وفي السياق، قال محامي الشاكية، محمد حمدون، إنها اتهمت الشاب بالتحرش بها أمام النيابة العامة وليس بالسرقة.
وأوضح أن النيابة العامة وجهت إلى المتهم تهمتين: الأولى" التعدي بالقول في مكان عام بإيحاءات وعبارات جنسية على المجني عليها بهدف الحصول على منفعة دات طبيعة جنسية"، والثاني" الشروع في سرقة الهاتف النقال".
وأضاف حمدون، في تصريحات خاصة لـ" العربي الجديد"، أن التحريات تضمنت قيام المتهم بالتعدي على الشابة قبل الواقعة بنحو أسبوع، من دون أن تتمكن من معرفة غرضه، غير أنها أكدت الألفاط التي صدرت عنه آنذاك وهي نفسها التي وردت في التحقيقات.
وأشار إلى أن موقع الحادثة، سواء في نطاق عملها أو في الشارع، لا توجد به كاميرات يمكن تفريغ محتوياتها.
وعن العقوبات المنصوص عليها في القانون المصري لمثل الاتهامات الواردة في نص التحقيقات، أوضح حمدون أنها تتراوح بين الحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات، وغرامة مالية من ثلاثة آلاف إلى خمسة آلاف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين.
وتوقّع المحامي المتطوع للدفاع عن الفتاة، إحالة التحقيقات إلى المحكمة خلال أسبوعين على الأكثر، نظرا لانتهاء النيابة العامة من الاستماع إلى أقوال الفتاة والشاب، والشهود، والضابط الذي حرر البلاغ في قسم الشرطة، فضلًا على ورود التحريات وعدم وجود كاميرات مراقبة يمكن تفريغ محتوياتها.
كانت النيابة العامة قد باشرت تحقيقاتها في الواقعة، وقررت حجز الشاب المتهم لمدة 24 ساعة على ذمة التحريات، مع طلب تحريات المباحث حول ملابسات الواقعة، كما استمعت إلى أقوال الطرفين.
وخلال التحقيقات، أنكر المتهم ارتكابه التحرش أو حدوث أي احتكاك جسدي مع الشاكية، مؤكدًا أنه كان يستقل الأتوبيس بصفته راكباً عادياً.
وفي تطور لاحق، قررت النيابة إخلاء سبيل المتهم بكفالة مالية قدرها ألف جنيه على ذمة التحقيقات، مع استمرار التحقيقات وانتظار نتائج التحريات والفحص الفني لمقطع الفيديو الذي وثقته الشاكية.
من جانبه، قال دفاع المتهم في تصريحات لوسائل إعلام محلية، إن التحريات الأولية أثبتت عدم صحة الواقعة، مشيرا إلى أن موكله لم يرتكب أي فعل مجرّم، كما أعلن تقدمه بطلب لعرض الشاكية على لجنة نفسية.
ولا تزال القضية قيد التحقيق أمام النيابة العامة، مع استمرار متابعة وسائل الإعلام المحلية لتطورات الإجراءات القانونية المتعلقة بالواقعة.
لكن بعد الانتشار الواسع لمقاطع الفيديو، وتداول الواقعة على منصات التواصل الاجتماعي المختلفة، ظهرت أصوات مشككة في رواية الفتاة، خاصة بعد عدولها عن اتهام الشاب بسرقتها.
كانت مريم شوقي، المعروفة إعلامياً بـ" فتاة الأتوبيس"، قالت إنها تعرضت لمضايقات متكررة من الشاب المتهم في واقعة التحرش داخل حافلة نقل عام، موضحة أن تلك المضايقات بدأت منذ الأسبوع الماضي أثناء توجهها إلى عملها، حيث حاول التقرب منها والتحدث إليها لكنها رفضت ذلك.
وخلال مداخلة هاتفية بأحد البرامج التلفزيونية، ذكرت أنه واصل التعرض لها في أكثر من مناسبة، مشيرة إلى أنه ألقى عليها حجارة وأشياء أخرى، ما دفعها إلى الشعور بالخوف والعودة إلى مقر عملها لإبلاغ زملائها ومديرتها بما حدث.
وأضافت أن مديرتها نصحتها بعدم تغيير مسارها طالما أنها لم تستجب له.
أشارت إلى أنها اتهمته في البداية بالسرقة لتحفيز الركاب على التدخل وإبعاده عنها، لكن أحدا لم يستجب، فاضطرت إلى التصريح بأنه تحرش بها، غير أنها فوجئت بعدم تفاعل الركاب، بل بقيام بعضهم بحمايته.
وأضافت أنه ظل ينظر إليها بطريقة مريبة ويتحدث عبر الهاتف بكلمات غامضة، موضحة أنها لجأت إلى اتهامه بالسرقة ظنا منها أن ذلك سيدفع الركاب للتحرك، لكن بعد عدم استجابتهم أعلنت حقيقة ما تتعرض له، لتجد أن الركاب اصطفوا لحمايته.
أكدت أنها طلبت من سائق الحافلة التوقف عند نقطة لشرطة المرور، إلا أنها فوجئت بالركاب يشكلون حاجزا بشريا لمنع أحد أمناء الشرطة من القبض عليه، بينما تحرك السائق سريعا مبتعدا عن أمين شرطة آخر، ووصفت المشهد بأنه عبثي.
كما علّقت على ما أثير بشأن تقديمها بلاغات سابقة ضد متحرشين آخرين، مؤكدة أنها حررت بلاغا واحدا فقط في واقعة سابقة ثم تنازلت عنه بعد انتهاء المشكلة.
الناشطة النسوية ورئيسة مؤسسة بنت النيل، أسماء دعبيس، ردت على ادعاءات المشككين في رواية الفتاة، بأن مبدأ" نصدق الناجيات" لا يتجاوز القانون بل يرسخ فكرة أن العدالة لا بد أن تأخذ مجراها في التعامل الجدي مع شكاوى النساء والفتيات من كل أشكال العنف، خاصة أن المسار القانوني وحده أحيانا لا يكون كافيا حيث تُطالب الشاكية بتقديم إثباتات، في حين أنه ليس كل أماكن العمل ولا الشوارع ولا وسائل المواصلات مزودة بكاميرات، ما يصعّب موقف السيدات إذا تعرضن لاعتداءات في أماكن بلا شهود.
وأضافت دعبيس في تصريحات خاصة لـ" العربي الجديد"، أن التحقيقات هي التي يفترض أن تقدم الأدلة وتثبت صحتها في حال لم تتمكن الشاكية من التصوير أو الإثبات، وهذا أيضا ما يستند إليه الحقوقيون والمعنيون بقضايا النساء في مبدأ" نصدق الشاكيات".
وانتقدت دعبيس، ما وصفته بـ" الاستهداف الممنهج وخطابات الكراهية ضد النساء والفتيات، خاصة عندما يخرج من خطاب ديني متطرف يحرض على العنف ضد أي فتاة أو سيدة تحاول انتزاع حقها".
يعد التحرش الجنسي في مصر، ظاهرة منتشرة منذ سنوات، عبرت عنها الأرقام الصادرة عن منظمات حقوقية عدة، آخرها توثيق مبادرة" صوت لدعم حقوق المرأة" في نشرتها السنوية للعام الماضي 364 حالة عنف ضد النساء، شملت التحرش الجسدي، ومحاولات الخطف، وهتك العرض، فيما تم رصد أنماط أخرى من العنف الاقتصادي والنفسي والاجتماعي.
كذلك كانت مؤسسة القاهرة للتنمية والقانون، قد أصدرت ورقة بحثية بعنوان" خطاب الكراهية وتبرير العنف ضد النساء في المجتمع المصري" خلال عام 2025.
اعتبرت أن العنف ضد النساء ليس حوادث فردية معزولة، بل نتيجة مباشرة لخطاب اجتماعي وإعلامي يرسخ التمييز، عبر لوم الضحايا أو التقليل من خطورة الجرائم أو تقديم العنف كوسيلة تأديب.
وأشارت المؤسسة، إلى دور وسائل الإعلام والمنصات الرقمية في إعادة إنتاج هذا الخطاب، من خلال التشهير بالضحايا وتحويل العنف إلى مادة للجدل العام حول سلوك النساء بدلا من مساءلة الجناة.
الورقة ربطت كذلك، بين استمرار العنف وثغرات تشريعية ومؤسسية، من بينها غياب قانون موحد لمناهضة العنف ضد النساء، وضعف آليات الحماية الفورية وخدمات الإحالة والدعم، وهو ما يضاعف هشاشة النساء في مواجهة الانتهاكات، وفق ما ورد في نصها المنشور على موقع المؤسسة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك