ينام العالم ويستيقظ على توقعات بأخبار عن ضربة أمريكية لإيران أو احتلال جرينلاند، أو غزو صيني لتايوان، تسبق وسائل الإعلام خطوات الدول الكبرى في توقعاتها بشأن شن الحروب، وفي الغالب لا يحدث الأمر، ففي عالم تتشابك فيه القوى الكبرى وتتشابك مصالحها، تتردد هذه القوى عن خوض مغامرات عسكرية ضد دول أصغر.
ظاهرة تكشف بوضوح عن عمق الحسابات الاستراتيجية والدبلوماسية المعقدة التي تحكم العلاقات الدولية، لم يعد القرار العسكري اختبار للقوة وحدها، بل اختبار لتوازن القوى، والخشية من التصعيد الإقليمي والعالمي، والانزلاق إلى صراع غير محسوب العواقب.
الصين، تتطلع إلى تايوان، لكنها تتوقف عند عتبة المغامرة المباشرة، تدرك أن أي خطوة عسكرية قد تضعها في مواجهة اقتصادية واستراتيجية مع أمريكا، بالمثل، أمريكا التي تملك تفوقا عسكريا وتاريخا من التدخلات في مناطق مختلفة من العالم، تتردد حين يتعلق الأمر بإيران، فالتوازنات الاستراتيجية تجعل أي هجوم محتمل محفوفا بمخاطر كبيرة، إيران ليست دولة صغيرة.
حتى روسيا، أقدمت على حرب أوكرانيا بعد تردد طويل، لم تفعل ذلك إلا حين اجتمعت الظروف الاستراتيجية لتجعل من الصراع خيارا استراتيجيا مبررا، التوقيت والبيئة الإقليمية والدولية المحركان الرئيسيان لأي عمل عسكري.
التردد ليس وليد ضعف الدول الكبرى، بل انعكاس لواقع عالمي جديد تحكمه قواعد الردع العسكري المتبادل والتأثير الاقتصادي المتشابك، لم يعد الأمر مجرد امتلاك سلاح أقوى أو أكثر، وحتى التسليح النووي، لا يمكن اعتباره أداة يمكن استخدامها بسهولة، هو عامل ردع نفسي واستراتيجي يثني أي طرف عن الانخراط في صراع شامل، فالدول التي تمتلك هذه القوة تعرف أن أي عدوان قد يؤدي إلى رد نووي قد يعصف بوجودها.
هذا الواقع يولد نوعا من السلام القسري أو السلام عبر الردع، حيث تصبح كل خطوة عسكرية محتملة مدروسة إلى أقصى حد.
السلاح النووي يشكل ردعا حقيقيا، لكنه لا يضمن السلام التام، يجعل الصراع الشامل أقل احتمالا، ويدفع الدول للتفاوض واللجوء للدبلوماسية أكثر من الاعتماد على القوة وحدها، لذلك ترتفع الأصوات بحتمية إطلاق حرية امتلاك السلاح النووي حتى يتحقق الردع المتبادل.
يعكس هذا الرأي تغيرا في السياسة الدولية، حيث لم تعد الهيمنة الأحادية خيارا واضحا كما في النصف الثاني من القرن العشرين.
أصبح العالم متعدد الأقطاب في الممارسة، مع توازنات معقدة بين أمريكا وروسيا والصين وبين القوى الإقليمية الكبرى، وهو ما يجعل ملف امتلاك السلاح النووي مطروحا كما ملف توسيع عضوية مجلس الأمن مطروح أيضا.
صار العالم على يقين بأن السلام يجب أن يحميه السلاح وطالما أن دولا تملك سلاحا نوويا وأخرى لا تملكه سيبقى الصراع بين القوي والأضعف.
إن امتلاك السلاح النووي لا يعني تحقيق السلام التام، لكنه يخلق حدودا واضحة لتصرفات الدول، ويزيد من احتمالات بقاء الاستقرار النسبي قائما في هذا العصر، حيث لا تكون القوة للاستخدام المباشر، بل المناورات الذكية وإدارة الصراعات قبل أن تتحول إلى حروب كاملة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك