في عالمٍ يضج بالصمت والارتباك، بدأت الأم معركتها مبكراً جداً، لم تكن طفلتها كبقية الرُّضع الهادئين، فمنذ الأسبوع الأول كانت الصرخات المتواصلة وقلة النوم تهمس للأم بأن هناك شيئاً ما، ومع الوقت، تأكدت ظنونها حين شُخِّصت الصغيرة بـ«متلازمة أسبرجر»، وهي أحد أشكال طيف التوحد، مصحوبة بفرط حركة وتشتت انتباه «ADHD»، إذ كانت الطفلة تعيش خلف أسوار قوقعة صلبة، بلا مهارات تذكر، حتى إنها لم تنطق بأولى كلماتها الملفوظة إلا وهي تقترب من عامها الرابع.
وبينما كانت الأم تبذل قصارى جهدها لانتزاع ابنتها من ذلك الانعزال، جاءت الصدمة من حيث لا تحتسب، فقبل عيد ميلاد الصغيرة الخامس بأيام قليلة، قرر الأب الانسحاب من المشهد تماماً، بسبب اختلاف في الرؤية والمنهجية، حيث تمسك الأب بوضع الطفلة في مراكز لا تناسب حالتها ومدارس حكومية عادية تهرباً من تكاليف الدروس الخاصة، رغم أن الطفلة كانت تُظهر تفوقاً يتجاوز عمرها الزمني، إذ تحكي الأم ندى رضوان لـ«الوطن» أنّ الأمر انتهى بطلاق غيابي أبلغها به المأذون هاتفياً، تحت مبررات واهية تتعلق بتفاصيل المنزل الروتينية، تاركاً خلفه أماً تواجه مصيراً مجهولاً وطفلة بدأت لتوِّها تدرك معنى الغياب.
لم تكن رحلة المدرسة أسهل حالاً، ففي الوقت الذي كانت فيه الأم تحاول استيعاب نوبات الغضب الشديدة لابنتها التي كانت ترتمي أرضاً لساعات صراخاً «أنا عايزة بابا»، واجهت الأم نظاماً تعليمياً يطالبها بـ«تخدير» ابنتها أو إيداعها فصول دمج لا تليق بقدراتها، وأمام قسوة الحلول المقترحة، اختارت الأم الانسحاب من المنظومة المدرسية مؤقتاً والاعتكاف في المنزل، لتبني هي مدرسة ابنتها الخاصة، محاولةً جسر الهوة بين عمر الطفلة اللغوي وعمرها الحقيقي».
الوجع الحقيقي بالنسبة للأم التي تخرجت في كلية الصيدلة وتعيش بمدينة دمياط الجديدة، لم يكن في التعليم، بل في سؤال الطفلة المتكرر: «بابا فين؟ طب هو مات؟ »، إذ غاب الأب لعام ونصف، وحين عاد للظهور، بدأت أصعب فصول المأساة، اضطرت الأم لتمهيد الواقع المرير لصغيرتها التي بدأت تنسج في خيالها صورة سريالية عن والدها، معتبرة إياه ميتاً طوال الأسبوع، ويحيا فقط في اليوم الذي يزورها فيه، كما واجهت مشكلة أنها بدأت تتساءل إن كان رحيله بسبب قبحها أو ذنب ارتكبته، تقول «ندى»: «أصعب فترة لما باباها اختفى سنة ونص وماكانش فيه تواصل بينهم تماماً وكانت بتيجي تطلب مني أطلّع لها صورهم مع بعض».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك