على امتداد شارع السلطان حسين، أحد أكثر الشوارع المرموقة في الإسكندرية، تختبئ وراء بوابة كبيرة حكاية عمرها أكثر من مئة عام.
مبنى قديم، محاط بحديقة واسعة، تحرسه أشجار من الموز والبرتقال والليمون، ويملؤه صمت يشبه الأديرة الأوروبية.
هنا يقع الدار الألماني للمسنين – دار بيليتسيوس… مكان لا يشبه أي دار رعاية أخرى، وبيت راقٍ يعبر النزلاء إليه في مرحلة متقدمة من حياتهم بحثًا عن السكينة والانتظام.
البداية رجل ألماني وراهبة أرادا تأسيس بيت للرحمة.
تعود قصة الدار إلى بدايات القرن العشرين، حين قدم رجل أعمال ألماني يُدعى بيليتسيوس إلى الإسكندرية، المدينة التي كانت آنذاك ملتقى للجاليات الأوروبية.
ومعه جاءت راهبة ألمانية حملت فكرة إنشاء بيت صغير لرعاية المسنين، يتسم بالنظام الأوروبي والرعاية الروحية، على غرار الدور التابعة للكنائس في ألمانيا والنمسا وسويسرا.
تم شراء المبنى، ومن ثم تطوّر إلى دار تحمل اسم مؤسسها، مع نظام إداري صارم، وجماعة من الراهبات كرّسن حياتهن لخدمة كبار السن.
كان الهدف واضحًا منذ اللحظة الأولى: توفير مكان يحفظ كرامة الإنسان في سنواته الأخيرة، مهما كانت ديانته أو جنسيته.
مرّت عقود طويلة، تغيّرت فيها الإسكندرية، وتعاقبت إدارات، لكن الدار ظلّت ثابتة على رسالتها، محتفظة بطابعها الأوروبي الأصيل، ومستمرة في دعمها عبر تبرعات ثابتة تصلها من ألمانيا حتى اليوم.
مكان مفتوح للجميع دون تمييز أو دراسة حالة.
رغم جذورها الكنسية، فإن الدار كانت وما تزال مكانًا محايدًا إنسانيًا، يتسع للجميع دون استثناء أو فرز.
تستقبل: المسلمين والمسيحيين، المصريين والأجانب، رجالًا ونساءً،
بشروط واضحة، أهمها أن يكون الشخص قادرًا على التعامل بانسجام مع مجتمع الدار الداخلي.
وهنا ملحوظة مهمة تُميّز الدار عن غيرها:
جميع النزلاء يدفعون نفس التكلفة، ولا توجد “دراسة حالة” أو تخفيضات بناءً على الظروف المادية.
اللوائح ثابتة، والرسوم واحدة، لأن الدار تعمل وفق نظام إدارة غير مرن في المسائل المالية، معتمدة جزئيًا على التبرعات الألمانية للحفاظ على مستوى الخدمات.
أما الحالات المرفوضة فهي محددة بدقة:
لا تُقبل حالات الزهايمر، لعدم توافر إمكانيات الرعاية الطبية اللازمة.
ولا تُقبل الشخصيات المتعصّبة أو ذات السلوك العدائي، حفاظًا على السلام الداخلي.
قلب المكان خمس راهبات وأربعون عاملًا.
يدير الدار فريق صغير لكنه شديد الانضباط:
خمس راهبات يعشن داخل الدار، ينسّقن العمل، ويوجهن العاملين، ويعتنين بالنزلاء روحيًا ونفسيًا.
إلى جانبهن، يعمل نحو أربعين عاملًا وعاملة في مجالات النظافة، والتمريض، وإعداد الطعام، والصيانة، وحديقة الدار.
يشبه المكان مجتمعًا مغلقًا منظّمًا على طريقة الأديرة الأوروبية:
جداول يومية، صلوات في مواعيد ثابتة، متابعة دقيقة لكل التفاصيل، وهدوء شامل يفرض احترامه على الجميع.
غرف فردية ومزدوجة وعنابر… لكن الرعاية واحدة.
تضم الدار ثلاثة أنواع من الإقامة:
غرف فردية لمن يفضّلون الخصوصية.
غرف مزدوجة بتنسيق بسيط يناسب كبار السن.
ورغم اختلاف المساحة والعدد، فإن مستوى الخدمة ثابت؛ فالدار مصممة لتقديم نموذج حياة مشترك، يتساوى فيه الجميع.
في قلب المبنى توجد كنيسة صغيرة، أبوابها مفتوحة للنزلاء وللزوار.
صغيرة لكنها دافئة؛ شموع مضاءة، مقاعد خشبية قديمة، وأيقونات تعكس الطابع الألماني القِبطي الذي صاغ روح الدار.
هذه الكنيسة ليست فقط مكانًا للصلاة، بل مساحة للتأمل، للبحث عن هدنة صغيرة مع الحياة.
حديقة تشبه متحفًا للنبات موز وبرتقال ونباتات نادرة.
تُعد الحديقة أحد أهم ملامح الدار؛ مساحة واسعة مزروعة بعناية، تضم أشجارًا مثمرة من:
الموز، البرتقال، الليمون، إلى جانب نباتات نادرة تحافظ عليها الراهبات منذ عقود.
تصبح الحديقة متنفسًا يوميًا للمسنين؛ يمشون بين أشجارها، يتحدثون في ظلها، وتصبح جزءًا من علاجهم النفسي وحياتهم الجديدة داخل الدار.
حين تدخل الدار الألماني، تشعر أن الزمن يهدأ.
كل تفصيلة فيها الجدران القديمة، الأزهار الغريبة، النوافذ الكبيرة، صمت الراهبات، خطوات العاملين تحمل ملامح قرن كامل من الحكايات.
الدار ليست فقط مكانًا لرعاية المسنين؛ إنها جزء من ذاكرة الإسكندرية الأوروبية، وواحدة من الأماكن القليلة التي حافظت على روحها الأصلية حتى اليوم.
مكان يجمع بين الرحمة والانضباط، بين الرعاية والحياة المشتركة، بين الألماني والمصري، وبين ماضي مدينة كانت يومًا بوابة الشرق إلى أوروبا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك