بغداد ـ «القدس العربي»: تمر محافظة البصرة، التي تُمثل الشريان الاقتصادي والحيوي للعراق ورئته التي يتنفس منها مالياً، بمرحلة مفصلية وخطيرة من «التآكل الممنهج» للفضاء المدني، حسب ما قال «المرصد العراقي لحقوق الإنسان»، معتبراً أن ذلك ليس نتاج صدفة أو غياب عابر للقانون، بل هو عملية تقويض مدروسة تهدف إلى تجفيف منابع الحيوية الاجتماعية في المدينة، فيما وثق تنامياً لجماعات متطرفة قال إنها تشبه إلى حدٍّ كبير هيئة «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر».
ووفق تقرير للمرصد «تعيش المحافظة الجنوبية صراعاً وجودياً بين جيل يطمح للعيش وفق معايير المواطنة، وجهات تريد العيش في منظومة الوصاية على الآخر»، مبيناً أن «هذا الواقع أنتج ما نسميه في المرصد بـ(تعدد سلطات القمع) حيث لم يعد المواطن يخشى الاعتقال القانوني فحسب، بل يخشى (الدكة العشائرية) (النبذ المجتمعي) و(الاغتيال المعنوي) عبر الجيوش الإلكترونية».
ونشطت في الأشهر الأخيرة، حسب المرصد «جماعات متطرفة تسعى لفرض وصاية أخلاقية، تحاكي في سلوكها نموذج (هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر).
وتستمد هذه الجماعات العراقية سطوتها من (فوهات البنادق) لا من نصوص القانون».
وبين أن هذه «الجماعات الموازية تضع الحريات المدنية في مواجهة مباشرة مع السلاح المنفلت، ويبدو أن ممارساتها لا تهدف إلى (الإصلاح الاجتماعي) بل إحكام السيطرة على الفضاء العام وإخضاع المجتمع لإرادة أيديولوجية أحادية الجانب».
وشهد «كورنيش شط العرب» في ليلة رأس السنة (2026 ـ 2025) واقعة «تحرش جماعي» منظمة استهدفت فتاة، في مشهد يعكس غياب الحماية الأمنية الفعالة.
ولم تتحرك القوات الأمنية إلا في 3 كانون الثاني/يناير 2026 بعد ضغط شعبي في منصات التواصل الاجتماعي لتعتقل 17 متهماً.
وقرأ المرصد، في هذه الحادثة «رسالة ترهيب لإفراغ الفضاءات العامة من ملامحها المدنية».
وقال محمد الياسري، وهو ناشط من محافظة البصرة: «تواجه الحريات العامة في البصرة عراقيل بنيوية، يرتبط جزء كبير منها بالمنظومة التقليدية والتقاليد العشائرية، حيث تمددت هذه الأعراف لتصبح سلطة قسرية تحد من خيارات الأفراد في تفاصيل حياتهم اليومية، بدءاً من المظهر العام وصولاً إلى السلوكيات الفردية».
وأضاف: «أما فيما يخص حرية التعبير، فهي مشروطة بعدم المساس بالمصالح الكبرى للجهات النافذة، إذ يجد الفرد نفسه أمام احتمال ملاحقات قانونية أو ضغوط اجتماعية قاسية إذا تجاوز تلك الخطوط».
واعتبر أن «تعزيز الحريات يتطلب دعماً مباشراً من منظمات حقوق الإنسان، وتفعيل دور الجامعات والنخب الثقافية لتغيير الوعي العام وتطوير فهم المجتمع لحقوق الفرد».
وفي السادس من كانون الثاني/يناير 2026، تحركت لجان «فرض الفضيلة» غير الرسمية، مدعومة بعناصر مسلحة بزي مدني، لتهديد منظمي مهرجان فني وخيري مخصص لدعم أطفال السرطان كان من المفترض أن تُحييه المطربة أصيل هميم.
تم تهديد المنظمين بـ «حرق القاعات» إذا استمرت الفقرات الموسيقية، مما أدى لإلغاء المهرجان.
وقبل ذلك في 23 تشرين الثاني/نوفمبر 2025، ألغت قاعة حفلا للفنان محمد عبد الجبار قبل ساعات من انطلاقه بسبب تهديدات من أجنحة مسلحة تابعة لجهات سياسية، رغم حصول المنظمين على الموافقات الرسمية، مما يثبت أن السلاح هو «الناهي الحقيقي» في البصرة، حسب التقرير الحقوقي.
قال إن الحريات باتت في مواجهة السلاح المنفلت.
ووفق المرصد «تضع هذه الجماعات الحريات المدنية في مواجهة مباشرة مع فوهات البنادق، حيث يُلاحظ أن نشاطها يتركز حصراً في ملاحقة الحفلات الفنية والفعاليات الثقافية والتدخل في المظهر العام، بينما تغيب تماماً عن المشهد عندما يتعلق الأمر بحقوق المواطنين الأساسية، فهي لم تُسجل أي وقفة احتجاجية ضد تلوث المياه الذي يفتك بالبصريين، ولا ضد التلوث البيئي الناتج عن الانبعاثات النفطية، مما يكشف أن هدفها الأساسي هو السيطرة على الفضاء العام لا الدفاع عن حقوق المجتمع».
وفي تموز/يوليو 2025 شهد قضاء شط العرب قمعاً لاحتجاجات شعبية طالبت بإعلان البصرة «محافظة منكوبة» مائياً، حيث تمت ملاحقة المنسقين وتهديدهم، في خرق صارخ للمادة 38 من الدستور العراقي النافذ لسنة 2005، تبعا للمرصد.
وقال بارق فوزي وهو ناشط مدني من البصرة، إن «مؤشرات الحريات العامة في البصرة ما زالت ضعيفة، والسبب يعود لتمسك المجتمع بتقاليد قديمة تقاوم الانفتاح المدني.
هذا الواقع جعل من عملية التعبير عن الرأي فعلاً محفوفاً بالمخاطر، حيث يسود الخوف من الحديث العلني حتى في القضايا الجوهرية».
في حين أفادت ناشطة مدنية تخشى ذكر اسمها قائلة: «تُحاصر الحريات في البصرة بين فكي الأعراف الاجتماعية والنفوذ السياسي المسلح.
يجد المواطن صعوبة بالغة في اختيار نمط حياته بسبب التدخلات العائلية والعشائرية العميقة.
أما حرية التعبير فهي نص نظري موجود على الورق فقط؛ ففي الواقع، يختار الفرد الصمت كآلية دفاعية لتجنب عواقب وخيمة قد تفرضها جهات عشائرية أو حزبية تستخدم سلطتها للتضييق على الآراء».
وأكدت الحاجة إلى «جهد مشترك بين الحكومة والمنظمات لخلق بيئة آمنة وتشريع قوانين تحمي الأفراد من التعرض للتهديدات بسبب آرائهم، كذلك من المهم أن يتم تمكين الأفراد من خلال التعليم والتوعية بأهمية الحريات العامة وحقوق الإنسان، البصرة تستحق أن تكون أنموذجا في التغيير الإيجابي لكن هذا يحتاج إلى وقت وعمل جاد».
وحسب التقرير فإن تمدد الجماعات المتطرفة يجد «بيئة خصبة في ظل نفوذ عشائري واسع بات يشكل تحدياً حقيقياً أمام سيادة القانون؛ فالحريات الشخصية في البصرة أصبحت مرتبطة بمدى قوة العشيرة التي ينتمي إليها الفرد، مما يجعل الناشطين والمستقلين الفئات الأكثر عرضة للتهديد والابتزاز.
وأصبحت (سُلطة العرف) في حالات كثيرة أقوى من سُلطة الدولة، حيث يتم اللجوء إلى (الدكات العشائرية) أو التهديد بالنبذ الاجتماعي لتكميم الآراء التي لا تتفق مع أصحاب النفوذ.
هذا الواقع جعل من حرية التعبير مغامرة محفوفة بالمخاطر، حيث يضطر الفرد لفرض رقابة ذاتية على نفسه تجنباً لصدام قد لا تحميه فيه مؤسسات الدولة الأمنية التي تظهر أحياناً عاجزة عن مواجهة السلاح السياسي أو النفوذ القبلي».
ويرى الناشط السياسي ليث حسين أن «الحريات في البصرة تواجه ضغوطا كبيرة بسبب العشائر والتقاليد القديمة.
حرية التعبير موجودة لكن ليست بشكل كامل، لأن هناك بعض الخوف من ردود الفعل القوية خاصة إذا ما كان الانتقاد يوجه للجهات النافذة».
فيما اعتبر رئيس «المرصد العراقي لحقوق الإنسان»، مصطفى سعدون أن «ما يحدث في البصرة هو اغتيال ممنهج لمدنية الدولة.
يجب على الجميع أن يحترم حريات الجميع، لا يمكن لأحد أن يفرض سطوته على الآخر، خاصة في مدينة مثل البصرة، معروفة بتنوعها وحياتها المدنية».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك