الألم ليس مجرّد شعور عابر، بل تجربة وجودية تُعيد تشكيل علاقة الإنسان بذاته وبالعالم وبالآخرين.
في لحظات المعاناة، لا ينهار الجسد وحده، بل تتصدّع شبكة العلاقات التي تمنح حياتنا معنى.
ومع تسارع التحوّل الرقمي، يُطرح سؤال جديد: ماذا يحدث للألم الإنساني حين تصبح التقنية والذكاء الاصطناعي وسائط أساسية لفهمه وإدارته؟في مجتمعات اليوم، يزداد اللجوء إلى المنصّات الرقمية والذكاء الاصطناعي كمساحات بديلة للإصغاء والمواساة.
تُقدَّم هذه الأدوات على أنّها حلول سريعة للأزمات النفسية وبدائل للعلاقات البشرية المُعقّدة والمُتعبة.
غير أنّ هذا التحوّل يكشف مفارقة عميقة: كلّما اتسعت دائرة الوساطة التقنية، ضاقت مساحة اللقاء الإنساني الحقيقي، وتراجعت فرص التعاطف المباشر والمشاركة الصادقة في التجربة.
ما يعني أنّ السؤال لم يعد، فقط، كيف نخفّف الألم، بل أصبح: كيف نحافظ على إنسانيته؟يؤكد الطبيب النفسي فيكتور فرانكل أنّ المعنى هو ما يجعل المعاناة قابلة للتحمّل.
الألم الذي لا يجد مكانًا في سردية الفرد يتحوّل إلى عبء وجودي، بينما الألم المفهوم، حتى ولو جزئيًا، يصبح مادة للتحوّل الداخلي.
التجاوز هنا لا يعني النسيان، بل إعادة بناء الذات عبر الاعتراف بالتجربة وإدماجها ضمن قصّة الحياة، ومنحها معنى حتى لو كان مؤقتًا.
الاعتماد المُتزايد على الوسائط الرقمية يترافق مع تآكل الروابط البشرية.
لكن الذكاء الاصطناعي، مهما بلغت قدرته على تحليل اللغة أو مُحاكاة التعاطف، يظلّ خارج التجربة الإنسانية.
هو يعالج الكلمات، لا الوعي.
يمكنه اقتراح إجابات، لكنه لا يتحمّل ثقل الوجود.
يكمن الخطر في تحويل الألم إلى" مشكلة تقنية"، وفي اختزال الإنسان إلى حالة قابلة للإصلاح بخوارزمية، بينما المعاناة في جوهرها علاقة حيّة بين الذات والعالم.
الأكثر إشكالية هو أنّ الاعتماد المُتزايد على الوسائط الرقمية يترافق مع تآكل الروابط البشرية.
الإصغاء المُتبادل يتراجع، والحضور الإنساني يصبح نادرًا، فيما تُستبدل العلاقات المُعقّدة بحوارات آلية مريحة.
هكذا يتحوّل الألم من تجربة مشتركة تُعاش ضمن شبكة من العلاقات، إلى شأن فردي معزول يُدار عبر الشاشات.
المعنى لا يُنتج رقميًا، بل يولد في المسافة بين البشر، حيث تتشكّل التجربة الإنسانية بصدق.
التقنية قد تساعد على ترتيب الأفكار وفتح زوايا نظر جديدة، لكنها لا تمنح الإنسان ما يحتاجه فعلًا في لحظات الانكسار؛ الاعتراف، الاحتواء، والحضور.
المعنى لا يُنتج رقميًا، بل يولد في المسافة بين البشر، حيث تتشكّل التجربة الإنسانية بصدق.
التجاوز إذن هو فعل إنساني بامتياز: مواجهة واعية، وإعادة صياغة للعلاقة مع الألم، ومع الذات، ومع الآخر.
وربما تكمن الإشكالية الكبرى في زمن الذكاء الاصطناعي في هذا السؤال: هل نبحث عن أدوات تزيل معاناتنا، أم عن علاقات تساعدنا على حملها ومواجهتها؟في عالم يتسارع فيه الاعتماد على التقنية بوصفها حلًا شاملًا للأزمات الإنسانية، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يمكن للإنسان أن يتجاوز ألمه من دون أن يفهمه، ومن دون أن يمرّ عبر الآخر، ومن دون أن يعي مكان الألم ضمن شبكة علاقاته الإنسانية؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك