ما كشفته وثائق جيفري إبستين من فضائح تورّطت فيها زمرةٌ من المشاهير والأثرياء لم تكن الأولى، فهناك غيرها الكثير من القضايا التي هزّت الرأي العام العالمي وصدمت الكثيرين، مثل قضية المغني الشهير آر كيلي، الذي أُدين بالاتجار بالجنس مع قاصرين، أو قضية المنتج الهوليوودي هارفي واينستين المُدان بالاغتصاب والاعتداء الجنسي على عشرات النساء.
وهناك أيضاً قضية كيث رانيير، مؤسّس طائفة نيكسيفيم (NXIVM)، التي بدت كبرنامج تطوير ذاتي، لكنها كانت غطاء للاتجار بالجنس والابتزاز.
ويمكن هنا أن نتذكّر الشهادات الصادمة التي عرضها الفيلم الوثائقي" سفاري سراييفو" لشهادات من جنود صرب سابقين ومُتعاقدين، يدّعون أنّهم رتبوا" رحلات صيد بشري" إبّان حرب سراييفو لأجانب أثرياء يُزعم أنهم دفعوا مبالغ مالية ضخمة مقابل قنصٍ يمارسونه على مدنيين عزّل في المدينة المحاصرة، بما في ذلك نساء وأطفال، للمتعة فقط.
شهادات قادت إلى تحقيقات رسمية منذ شهور قليلة فقط، لما يمكن وصفه حال الثبوت بجريمة حرب وجريمة ضدّ الإنسانية بامتياز، حيث يتحوّل القتل إلى" ترفيه" مدفوع.
والآن، ما يهمنا بالتحليل، وقد يبدو منفصلاً ومتباعداً بين هذه الملفات المذكورة آنفا، لكنّه في الحقيقة خيوط مختلفة لنسقٍ واحد: ترفٌ منزوع القيود يبحث عن الإثارة القصوى حين يفقد المعنى.
في هذه الصور التي أردت جمعها (بصرف النظر عن درجة ثبوت كلّ تفصيل) يظهر المال عند بعض المُترفين لا كوسيلة للعيش الجيّد، بل كأداة لتوسيع هامش اللذّة وتجاوز المحظور، حيث يتحوّل الجسد والطبيعة والمكان إلى مسارح اختبار للسلطة والرغبة.
ترف منزوع القيود يبحث عن الإثارة القصوى حين يفقد المعنى.
نعم عزيزي القارئ، لا تهمني الفضيحة ولا الأسماء بقدر ما يهمني قراءة تسريبات إبستين، وفضاءات الترف المُغلقة لدى المشاهير، وسياحة القنص المزعومة في مناطق مثقلة بتاريخ العنف مثل سراييفو، بوصفها تعبيرات مختلفة عن منطق واحد: منطق الامتياز المطلق.
هنا لا يُمارَس الترف كراحة أو رفاه، بل كتعليقٍ للقواعد، كدخولٍ إلى منطقة" VIP" أخلاقية يُسمح فيها بما يُحظَر على الآخرين.
نفسياً، يشير هذا النمط إلى ما يسميه بعض علماء النفس بـ" التكيّف اللذّي"، حيث كلّما ارتفع منسوب الرفاه، تضاءلت القدرة على الإشباع، فينشأ سباق نحو صدمات أقوى.
هنا يتلاقى القصر المغلق، والجزيرة المعزولة، ورحلة القنص" السياحية" (إن ثبتت) في بلدٍ جُرِّب فيه العنف سابقاً؛ كلّها محاولات لإعادة إحساس مفقود بالقوّة والسيطرة عبر تحويل الآخر (إنساناً كان أو طبيعة) إلى موضوع.
نعم فمن منظور نفسي، لا يتعلّق الأمر بالشهوة وحدها، بل بما هو أعمق: الانفصال عن العواقب.
حين يبلغ الفرد ذروة القوّة والثراء، تتآكل الحدود الداخلية، ويصبح المحرَّم الممنوع هو آخر ما يثبت القدرة والسيطرة.
المخدرات، الجنس بلا اتجاه أخلاقي، أو القنص" الحي" ليست غايات في ذاتها، بل أدوات لإحياء إحساسٍ متآكل بالسيادة على الذات والآخر والعالم.
حين يبلغ الفرد ذروة القوّة والثراء، تتآكل الحدود الداخلية، ويصبح المحرَّم الممنوع هو آخر ما يثبت القدرة والسيطرة.
قد يُظنّ أني مُتحامل وأسعى لتقييم المنظومة القيمية الغربية ككل، ما قد يستدعي جواباً لي من البعض مفاده ضرورة التمييز بين القيم المُعلنة وممارسات النخب؛ فبينما ترفع الخطابات شعارات الحرية والكرامة والمُساءلة، تكشف هذه الظواهر عن فجوة تطبيق حين تُستثنى القلّة المُحصّنة بالثروة والنفوذ.
اطمئن، النقد هنا ليس حضارياً شاملاً، بل أتفق معك في كونه أخلاقياً مؤسّسياً: غياب الكوابح القيمية داخل منظومات تُمجّد الفردانية والنجاح بأيّ ثمن يخلق مناطق ظل، لا تُعالَج إلا بإعادة ربط الرفاه بالمسؤولية، والحرية بالمحاسبة، واللذة بمعنى إنساني أوسع.
نعم على مستوى المنظومة القيمية الغربية، فالإشكال لا يكمن في القيم المعلنة (الحرية، الجسد، الاختيار) بل في انتقائيتها الطبقية.
فالقانون والأخلاق يعملان بكفاءة على مستوى الخطاب والمؤسسات، لكنهما يتراجعان كلّما اقتربنا من" أعلى اللائحة".
ما يظهر ليس انحلالاً عاماً، بل مناطق استثناء يُعلَّق فيها المنع، وتُفرَّغ القيم من مضمونها باسم الحرية الفردية.
هكذا يصبح السؤال أقلّ عن الفضيحة، وأكثر عن البنية: كيف تحوّل الترف من وعدٍ بالعيش الأفضل إلى أداة اختبارٍ لمدى قابلية القيم للتعليق؟ وهل يمكن لمنظومة أخلاقية أن تبقى متماسكة إذا كان" بلا قيود" امتيازاً غير معلَن لمن يملكون الثمن؟لكني أريد الذهاب بعيداً عن هذا على أهميته وجدوى بحثه.
فتخيّل معي أنّ الدعوة ليست خبراً مُسرّباً ولا فضيحة بعيدة، بل ظرفاً أسود أنيقاً وصل إليك بالاسم.
لا شعارات سياسية، لا خطابات أخلاقية.
فقط جملة باردة: بلا حدود.
ثم السؤال غير المكتوب: هل أنت مستعد لتعليق كلّ ما تؤمن به مؤقّتاً؟هنا يبدأ الاشتباك الحقيقي.
لأنّ أغلب الناس يفضّلون تصديق أنّ كلّ تلك القصص، تخصّ" آخرين فاسدين".
لكن ماذا لو لم تكن القضية فساداً، بل امتيازاً؟ ماذا لو لم يُعرَض عليك شيء قسري، بل كلّ شيء اختيار، بلا عواقب؟ المخدرات؟ متاحة.
الجسد؟ بلا تعريف.
القتل الرمزي أو الحقيقي؟ جزء من التجربة.
والسؤال الأخطر: ما الذي سيمنعك؟القانون والأخلاق يعملان بكفاءة على مستوى الخطاب والمؤسسات، لكنهما يتراجعان كلّما اقتربنا من" أعلى اللائحة".
من منظور نفسي، الإغراء هنا لا يكمن في الفعل نفسه، بل في إلغاء المنع.
الإنسان لا ينهار أخلاقياً لأنه شرير، بل لأنه فضولي، ولأنّه حين يُقال له" لن تُحاسَب"، تبدأ البوصلة الداخلية بالاهتزاز.
كثيرون لا يسقطون لأنهم يريدون الانحلال، بل لأنهم يريدون اختبار ذواتهم خارج القيد: من أكون لو لم يكن هناك شاهد؟في هذا الضوء، تبدو تلك العوالم المُغلقة كمختبرات نفسية لا أماكن متعة.
يُختبر فيها الإنسان حين تُنزع عنه الحاجة لتبرير نفسه.
سراييفو هنا ليست مدينة، بل ذاكرة مكبوتة؛ تاريخٌ جرى تحويله إلى خلفية صامتة لأنّ الاعتراف به سيُعيد الأخلاق إلى المشهد، وهذا ما لا تحتمله التجربة.
وهنا نصل إلى لبّ السؤال القيمي: ليست المشكلة أنّ المنظومة الغربية ترفع شعار الحرية، بل إنّها لم تحسم سؤالها الأصعب: هل الحرية قيمة مطلقة أم مسؤولية مشتركة؟ لأنّ ما تكشفه هذه" الامتيازات" ليس انهيار الأخلاق عند القلّة، بل هشاشتها عند الجميع حين تصبح القواعد اختيارية، والمحاسبة طبقية.
لذا، قبل أن تُغلق المقال مطمئناً إلى أنك" لست منهم"، جرّب أن تجيب بصدق: ماذا لو عُرض عليك هذا الامتياز؟ ليس لتدين نفسك، بل لتفهم أنّ الخط الفاصل بين القيم والانحلال أرفع بكثير مما نحبّ أن نعتقد، وأقرب بكثير ممّا نتصوّر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك