طرح مشكل تفريغ السدود مخاوف كبيرة من فيضانات محتملة في عدة مدن بالمغرب، وذلك بعد امتلاء شبه كلي مع استمرار التساقطات المطرية المتواصلة التي عرفها فصل شتاء 2026، والذي يمكن أن يحقق فائضا مائيا مهما بالسدود.
وجاء شتاء هذه السنة بشكل ملفت قلب موازين سنوات الجفاف، وطرح أكثر من علامة استفهام حول جاهزية السياسة الحكومية التي اعتادت تدبير ندرة المياه، دون توقع شتاء قوي ومتواصل.
بالمقابل، كانت فاجعة آسفي بمثابة إنذار أولي لاحتمال فيضانات قد تساهم في تفاقم الأوضاع بمختلف المدن الأخرى، ما أثار جدلا واسعا حول أهمية تعزيز المقاربة الاستباقية في تدبير مثل هذه الأوضاع.
في خضم الأحداث الجارية، عرفت السدود تعبئة كبيرة إلى جانب تواصل تساقطات مطرية غزيرة في وقت وجيز، وما رافق ذلك من تداعيات استوجبت التحلي بأقصى درجات اليقظة، وفرض سياسات ناجعة من خلال الإجلاء، والتفكير في حلول بديلة.
يتعلق الأمر ببناء سدود جديدة بشكل عاجل، وهو أمر ليس بالمستحيل على المغرب، أو من خلال خلق آليات فعالة لتصريف فائض السدود بأقل الخسائر الممكنة عبر بناء مجاري مياه كبرى تحت المدن كما هو الحال في بعض الدول المتقدمة لاحتواء التساقطات المطرية.
ما يطرح اليوم تساؤلات ملحة حول الخطوات المستقبلية تجاه التغيرات المناخية بالمغرب: هل الحكومة مستعدة لكسب الرهان وتحقيق نتائج إيجابية في مسارها التدبيري؟ أم ستبقى عاجزة أمام واقع مناخي متقلب ومقلق؟وفي هذا الصدد، أطلقت وكالة الحوض المائي لسبو عملية تصريف مائي استباقية من “سد الوحدة” كخطوة تقنية تهدف إلى الموازنة بين الحفاظ على المنشآت وضمان سلامة الساكنة.
وخلال الأيام الأخيرة، التي عرفت تساقطات مطرية استثنائية بحوضي “اللوكوس” و“سبو”، تزايدت المخاوف من تحول هذه التساقطات المهمة إلى كارثة محدقة، في ظل التسارع الكبير لامتلاء السدود ومدى صعوبة احتواء المخاطر المحتملة في حالة تطور الاوضاع.
تجدر الإشارة إلى أن التغير المناخي إشكال عالمي مطروح دون حلول نهائية، غير أن مخاطره مرشحة للتفاقم مستقبلا من خلال الفيضانات، وارتفاع منسوب مياه البحار، بما قد يحول العواصف البحرية إلى فيضانات ساحلية مدمرة تهدد المدن القريبة من الشريط الساحلي.
فضلا عن تزايد الظواهر المناخية القصوى كالتساقطات الثلجية غير المعهودة، ما دفع عدد من الدول المتقدمة إلى اعتماد مخططات استباقية لمواجهة الكوارث الطبيعية، عبر أنظمة الإنذار المبكر والأجهزة التكنولوجية المتقدمة في الرصد، تفاديا لأي خسائر مادية أو بشرية محتملة.
وبالنسبة للمغرب، يفرض الوضع الراهن الوقوف بحزم والتسليم بحقيقة التغير المناخي ومدى تأثيره على المجالين الطبيعي والبشري، خاصة خلال شتاء هذا العام الذي أنذر منذ بدايته بقسوة أيامه، إذ سجلت تساقطات مطرية مهمة ومتواصلة بمختلف ربوع المملكة وتساقطات ثلجية غير مسبوقة.
بالاضافة الى عواصف رياح قوية وعلو أمواج البحر ما بين 6 إلى 7 أمتار بالسواحل الأطلسية، وفق نشرة إنذارية رسمية صادرة عن وزارة التجهيز والماء، حذرت فيها من بحر هائج إلى قوي الهيجان خلال الفترة الممتدة من 28 الى 30 يناير 2026.
ونتج عن هذه التساقطات المطرية الغزيرة حدوث فيضانات بعدة مناطق مثل فيضان آسفي والقصر الكبير وبعض المناطق بالغرب، ما دفع السلطات إلى اعتماد سياسة التفريغ كحل واقعي في المرحلة الحالية، كما جرى بسد “اللوكوس”، حيث عرفت المدينة ارتفاع ملحوظ في منسوب الماء، و تم إجلاء عدد من الأسر خوفا من أي تطورات جديدة.
في سياق متصل، يثير تفريغ المياه من سد الوحدة مخاوف ساكنة منطقة الغرب عموما وتجاوبهم مع سياسة إجلاء الساكنة كخطوة ناجعة لتجاوز، المخاطر المحتملة في حالة تواصل الامطار الغزيرة.
ما يطرح الحاجة إلى توسيع الطاقة الاستيعابية عبر بناء سدود جديدة في آجال معقولة، لتوخي أي كوارث محتملة مستقبلا، مع الحفاظ على الموارد المائية التي عرفتها المملكة، في سياق عالمي يتسم بندرة المياه.
ويبقى تفعيل مبدأ الحكامة الجيدة ضرورة ملحة لتجاوز الوضع الراهن، الذي يمكن وصفه على الأقل بالمقلق إن لم يكن خطيرا، مما قد يتسبب في خسائر فادحة لا قدر الله، لو لم يتم التجند له بكل مسؤولية من قبل السلطاتلمعالجة هذه الأزمات الحقيقية عبر حلول استباقية واضحة، بدل الاستسلام لمنطق الانتظار أمام العاصفة.
اليوم يجب التحرك بكل مسؤولية وحكمة، والأخذ بعين الاعتبار التخطيط بعيد المدى وتوقع الإشكالات المطروحة مناخيا في المستقبل لتفادي ما حدث بعد فقد الأمل في الشتاء والانشغال بحل ندرة المياه الذي صاحبه سنوات جفاف عجاف.
وتجدر الاشارة الى أن هذه الإكراهات لا تلغي المجهودات المبذولة ميدانيا، بقدر ما تفتح نقاشا ضروريا حول تطوير أدوات الاستباق والتخطيط، وهو ما يفرض اليوم التفكير في مقاربة مندمجة تجمع بين البنية التحتية، والتخطيط العمراني، وأنظمة الإنذار المبكر.
بهدف ضمان السلامة العامة والتخطيط المستقبلي لمواجهة الكوارث الطبيعية.
فهل ستدفع هذه الأزمات الحكومة إلى تبني الحكامة الجيدة والتخطيط بعيد المدى؟ أم ستظل المقاربة الظرفية هي العنوان الأبرز في مواجهة تحديات مناخية مرشحة للتعقيد مستقبلا؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك