في مشهد اقتصادي إفريقي تطغى عليه مفارقات صارخة، تبرز السيشل كحالة استثنائية تتصدر القارة من حيث الناتج المحلي الإجمالي للفرد، رغم أنها دولة جزرية صغيرة لا يتجاوز عدد سكانها مئة ألف نسمة ولا تتوفر على موارد طبيعية ضخمة.
هذا التفوق لا يمكن اختزاله في عامل واحد، ولا في صدفة إحصائية، بل هو نتيجة مسار اقتصادي قائم على اختيارات استراتيجية واضحة، جعلت من السيشل نموذجًا مختلفًا عن السائد في العديد من الاقتصادات الإفريقية.
أول عناصر هذا النجاح يتمثل في نموذجها السياحي القائم على الجودة لا الكمية.
فالسيشل راهنت على سياحة راقية تستهدف فئات ذات قدرة إنفاق مرتفعة، بدل فتح المجال لسياحة جماهيرية منخفضة العائد.
هذا التوجه مكّنها من تحقيق مداخيل كبيرة بالعملة الصعبة مع الحفاظ على التوازن البيئي، وخلق قيمة مضافة حقيقية تنعكس مباشرة على الدخل الفردي ومستوى العيش، في وقت تعاني فيه دول إفريقية أخرى من استنزاف مواردها السياحية دون عائد اجتماعي مماثل.
العامل الديمغرافي يفسر بدوره جزءًا من الصورة، إذ إن الناتج المحلي للفرد يرتفع آليًا كلما كان عدد السكان محدودًا.
غير أن هذا التفسير يبقى ناقصًا إذا لم يُربط بجودة توزيع الثروة وفعالية السياسات العمومية.
فدول صغيرة أخرى لم تحقق النتائج نفسها، ما يؤكد أن المسألة لا تتعلق فقط بالأرقام، بل بكيفية إدارة الاقتصاد وتوجيهه نحو قطاعات منتجة ومستدامة.
في هذا السياق، لعب الاستقرار السياسي وجودة الحوكمة الاقتصادية دورًا حاسمًا في مسار السيشل.
فقد اعتمدت البلاد إصلاحات مالية ونقدية مبكرة، ركزت على ضبط المالية العمومية، والحد من الاختلالات الكبرى، وتحسين مناخ الأعمال.
هذا الاستقرار المؤسساتي منح المستثمرين ثقة طويلة الأمد، وقلّص من تقلبات الاقتصاد، وهي عوامل غالبًا ما تفتقدها اقتصادات إفريقية أكبر حجمًا وأكثر تنوعًا.
كما استفادت السيشل من انفتاح مدروس على الاقتصاد العالمي، حيث اختارت الاندماج في سلاسل القيمة الدولية عبر الخدمات، والتجارة، والأنشطة المالية، بدل الارتهان لقطاعات أولية ضعيفة الإنتاجية.
هذا الانفتاح، رغم ما يحمله من مخاطر، مكّنها من تنويع مصادر الدخل وتقليص هشاشة الاقتصاد أمام الصدمات الخارجية، مقارنة بدول تعتمد بشكل شبه كلي على صادرات خام محدودة القيمة.
إلى جانب ذلك، استثمرت السيشل بشكل واضح في رأس المال البشري، سواء عبر التعليم أو الصحة أو البنية التحتية الأساسية.
هذا الاستثمار انعكس على إنتاجية اليد العاملة وجودة الخدمات، وساهم في تقليص الفوارق الاجتماعية، ما جعل النمو الاقتصادي أكثر شمولًا.
فارتفاع الناتج المحلي للفرد لم يبقَ رقمًا إحصائيًا معزولًا، بل تُرجم إلى مستوى عيش مرتفع نسبيًا مقارنة بباقي دول القارة.
ورغم كل هذه العوامل، لا يمكن تقديم تجربة السيشل كنموذج جاهز للتعميم في إفريقيا، نظرًا لخصوصياتها الجغرافية والديمغرافية.
لكنها تظل رسالة قوية مفادها أن التنمية ليست رهينة الحجم ولا الثروات الطبيعية، بل رهينة الرؤية، وجودة الاختيارات، وفعالية الدولة.
في قارة لا تزال تبحث عن مسار تنموي بديل، تقدم السيشل درسًا بسيطًا وعميقًا في آن واحد: الاقتصاد الذكي قد يتفوق أحيانًا على الاقتصاد الكبير.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك