روسيا اليوم - ألمانيا تسحب حق الإقامة من أكثر من 8 آلاف أجنبي في 2025 روسيا اليوم - تصاعد المقاطعة.. دول جديدة تنضم للاحتجاج على قرار اللجنة البارالمبية روسيا اليوم - زيادة الوزن و"وجه القمر".. مؤشرات على اضطراب خطير في هرمون الكورتيزول العربية نت - في خطاب حالة الاتحاد.. ترامب يشيد بإنجازاته الاقتصادية الجزيرة نت - خلافا لأسلافه.. ترمب يتجه لحرب مصيرية مع إيران دون مبررات وكالة سبوتنيك - تحطم طائرة "إف-16" تركية بعد إقلاعها. روسيا اليوم - إخراج نائب ديمقراطي أثناء خطاب ترامب حمل لافتة "السود ليسوا قرودا"! العربية نت - أسعار النفط تحوم قرب أعلى مستوياتها في 7 أشهر قبل محادثات أميركا وإيران روسيا اليوم - وسائل إعلام كورية شمالية: كيم جونغ أون "أعظم رجل في العالم" وقيادته بمثابة "معجزة" فرانس 24 - البنتاغون: القوات الأمريكية تعترض ثالث ناقلة نفط في المحيط الهندي
عامة

رسالة الفيضان.. من التهديد إلى الاحتواء

العمق المغربي
العمق المغربي منذ 1 أسبوع

لا شك أن الماء صار عنصرًا صامتًا في معادلة العمران، وليس مجرد كمية تُقاس بالأمتار المكعبة وتُحبس خلف الخرسانة. فالماء ذاكرة متحركة، وتاريخ جيولوجي، وقانون فيزيائي لا يقبل المجاملة. وكل مدينة تُقيم عمر...

ملخص مرصد
تسلط الرسالة الضوء على ضرورة إعادة تصميم البنى التحتية المائية بمنطق الاحتواء الذكي بدلاً من المقاومة الصلبة، مع التركيز على دمج السهول الفيضية والأنهار الصناعية في التخطيط العمراني لإدارة مخاطر الفيضانات بفعالية.
  • السدود وحدها حل جزئي قد يزيد الضغط أثناء الذروة المطرية.
  • السهول الفيضية (Floodplains) آليات طبيعية لامتصاص فائض المياه وحماية المناطق المرتفعة.
  • التجارب الفرنسية والأوروبية تُظهر نجاح استغلال السهول الفيضية للزراعة والفضاءات الخضراء مع منع البناء الدائم.
من: مخططون وهندسة عمرانية

لا شك أن الماء صار عنصرًا صامتًا في معادلة العمران، وليس مجرد كمية تُقاس بالأمتار المكعبة وتُحبس خلف الخرسانة.

فالماء ذاكرة متحركة، وتاريخ جيولوجي، وقانون فيزيائي لا يقبل المجاملة.

وكل مدينة تُقيم عمرانها دون أن تُصغي إلى منطق الماء، إنما تؤجّل لحظة الاصطدام لا أكثر.

إن الفيضانات، حين تقع، لا تكون إعلان حرب من الطبيعة، فهي في الغالب كشف حساب هندسي مؤلم، تُعرِّي فيه المياه اختياراتنا التخطيطية، وحدود بنيتنا التحتية، ومقدار احترامنا للمجالات الطبيعية التي وُجدت قبلنا لتؤدي وظيفة التوازن والحماية.

من هنا، لا يصبح السؤال: كيف نمنع الماء من الدخول؟ السؤال الوجيه هو: كيف نمنحه مساره، ومجاله، وزمنه، من دون أن نُغرق المدينة في الخطر ولا نُفرغ الهندسة من حكمتها.

؟في هذا السياق، تأتي هذه الرسالة بوصفها تأملًا هندسيًا في إعادة تصميم البنى التحتية المائية، لا بمنطق المقاومة الصلبة، إنما بمنطق الاحتواء الذكي، حيث يلتقي السد بالقناة، والنهر الصناعي بالسهل الفيضي، ويصبح العمران فعل تفاهم مع الماء لا تحدّيًا أعمى له.

إذا كان الفهم الهيدرولوجي هو المفتاح الحقيقي للوقاية من الفيضان، فإن الترجمة العملية لهذا الفهم لا تتحقق إلا عبر بنى تحتية ذكية، لا تنظر إلى الماء كقوة يجب كبحها، بل كطاقة يجب تنظيمُها وتوجيهُها واحتواؤها بوعي هندسي راقٍ.

فقد أكدت التجارب المعاصرة أن الاعتماد الحصري على السدود، مهما بلغت متانتها ودقة حساباتها، يظل حلًا جزئيًا قد يتحول في لحظات الذروة المطرية إلى عنصر ضغط إضافي، حين يبلغ منسوب التخزين حدوده الحرجة ويُضطر إلى التنفيس في التوقيت الأكثر حساسية.

عندها لا يُلغى الخطر، بل يُنقل فقط من حوض التخزين إلى مجرى الوادي، ثم إلى قلب المدينة.

من هذا الإدراك تولد الحاجة إلى حلول تكميلية، وعلى رأسها الأنهار الصناعية والسهول الفيضية (Floodplains) وقنوات التحويل، بوصفها أدوات استراتيجية لضبط الجريان وتخفيف الذروة الهيدروليكية.

النهر الصناعي هو آلية تحكم ديناميكي تسمح بتوزيع فائض المياه في الزمان والمكان، وتحويله نحو أحواض استقبال مهيأة، أو نحو مناطق أقل هشاشة عمرانيًا، وأحيانًا نحو أقاليم تعاني من خصاص مائي مزمن.

بهذا المعنى، يتحول الفيضان من حدث مدمر إلى مورد مُدار، ومن طاقة مهدِرة إلى رافعة لإعادة التوازن المائي بين المجالات الجغرافية المختلفة.

غير أن هذه المنظومة الهندسية، مهما بلغت من تطور، تبقى ناقصة إذا لم تُدمَج مع أحد أهم المكونات الطبيعية التي همّشها التعمير الحديث طويلًا، وهي السهول الفيضية (Floodplains).

فالسهول الفيضية ليست أراضي هامشية أو فراغات ضائعة، هي مجالات منخفضة أو منبسطة تقع بمحاذاة الأنهار والمجاري المائية، تشكلت عبر قرون من ترسبات طميية متعاقبة، جعلت تربتها شديدة الخصوبة وغنية بيئيًا.

وهي في جوهرها آلية طبيعية دقيقة ابتكرتها الطبيعة لتبديد طاقة الفيضان، وامتصاص فائض المياه، وحماية المناطق المرتفعة المجاورة من الغمر المفاجئ.

هندسيًا، تمثل هذه السهول مناطق توسّع هيدرولوجي طبيعي، يُفترض أن يُسمح للماء بالانتشار فيها مؤقتًا عند ارتفاع المناسيب، بدل حبسه قسرًا داخل قنوات ضيقة أو دفعه بعنف نحو الأحياء السكنية.

ورغم ما تحمله من مخاطر نسبية خلال مواسم الفيضان، فإن استغلالها الذكي يظل ممكنًا وناجعًا، كما تشهد بذلك تجارب عديدة، حيث تُخصص هذه المجالات للزراعة الموسمية، أو للحدائق العامة، أو لمسارات المشي والأنشطة المفتوحة، مع منع البناء الدائم أو تقييده بشروط هندسية صارمة للغاية.

فهنا لا يُلغى الخطر، بقدر ما يُدار ويُحتوى.

وتجسّد التجربة الفرنسية، وغيرها من التجارب الأوروبية، هذا الفهم العميق للعلاقة بين النهر والمدينة.

ففي الغالب يخترق النهر المدن ضمن مجرى منخفض ناتج عن تعرية طبيعية طويلة الأمد، أشبه بخندق هيدرولوجي يفصل بين هضبتين مرتفعتين، بينما تُترك الجوانب المنخفضة الملاصقة له خارج النسيج العمراني الصلب.

هذه الجوانب، التي تمثل السهول الفيضية في أنقى صورها، تُدار تنظيميًا من طرف الجماعات المحلية، وتُستغل في شكل بقع فلاحية صغيرة أو فضاءات خضراء تُكرى للساكنة بأثمان رمزية، فتؤدي وظيفة مزدوجة: اجتماعية واقتصادية من جهة، ووقائية هيدرولوجية من جهة أخرى.

وعندما يأتي الفيضان، تغمر المياه هذه المجالات المرنة دون أن تُلحق ضررًا بالبنية الحضرية، فتظل الأحياء السكنية في منأى عن الغرق.

لا يقف هذا التصور عند حدود الهندسة والبيئة، فهو يمتد إلى الإطار القانوني والتنظيمي، حيث تُصنَّف السهول الفيضية في دول عدة، مثل الولايات المتحدة، من طرف وكالات متخصصة كـالوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (FEMA)، وفق درجات دقيقة من الخطورة، وتُربط بها قوانين التأمين، ورخص البناء، وأنماط الاستعمال.

وبهذا يتحول الفيضان من مفاجأة عشوائية إلى خطر محسوب، تُبنى حوله القرارات بدل أن يُترك للارتجال.

كما أن القيمة البيئية لهذه السهول تظل مركزية، إذ تشكل موائل غنية للتنوع البيولوجي، وتساهم في تنقية المياه، وتقليل التعرية، وحماية الممرات المائية على المدى الطويل.

وعليه، فإن إعادة هندسة البنى التحتية المائية في مدننا لا ينبغي أن تنحصر في تقوية السدود أو تعميق القنوات فحسب، إنما الأمر يتطلب القيام بإعادة دمج السهول الفيضية (Floodplains) في التخطيط العمراني، وربطها بالأنهار الصناعية وممرات التصريف ضمن منظومة واحدة مرنة، تستوعب الماء بدل أن تقاومه.

فالهندسة الرشيدة لا تحاول إخضاع الماء بالقوة، بل تعمل على منحه مجالًا محسوبًا للحركة، لأن المدينة التي تفسح للماء طريقه، إنما تفسح لنفسها طريق النجاة.

ليست كل موجة عدوة، ولا كل فيضان لعنة؛ فبعض المياه تأتي لتعلّمنا أين أخطأنا في التشييد، وكيف يكون الأمان حين نصغي للطبيعة بلا تهديد.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك