قال أستاذ العلوم السياسية بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، إسماعيل حمودي، إن عجز الإعلام المغربي عن الدفاع الفعّال عن السردية الوطنية في ملف الصحراء لا يعود إلى ضعف في الرؤية التحريرية بقدر ما هو نتيجة لقصور في “القرار الإعلامي الاستراتيجي”.
وأوضح حمودي أن الخلل يكمن في غياب استراتيجية طويلة المدى تهدف إلى بناء سردية وطنية قوية، والاستثمار في الإعلام ليصبح قوة ناعمة ذات تأثير إقليمي ودولي، وهو ما يتجاوز قدرات غرف التحرير المنشغلة بالظرفي والروتيني.
وأشار الباحث في حوار مع جريدة “العمق”، إلى أن هذا القصور الاستراتيجي يتجلى بوضوح في ضعف التنسيق بين الإعلام والدبلوماسية والبحث العلمي، حيث تعمل هذه القطاعات كـ”جزر منعزلة” في مواجهة ما أسماه بـ”الحرب المعرفية”، التي يعتبرها الجيل الجديد من الحروب القائمة على إنتاج السرديات.
وبناءً على ذلك، يرى حمودي أن المشكلة لا تكمن في نقص الكفاءات المهنية، بل في منظومة اتخاذ القرار التي لا تستثمر هذه الكفاءات ضمن رؤية هجومية ومنسقة لإنتاج المعرفة وتوجيه الإدراك الجماعي.
وعلى صعيد آخر، تطرق حمودي إلى تأثير “اقتصاد المشاهدة” الذي غيّر أولويات الإعلام المغربي، حيث دفعه للتركيز على المحتوى الترفيهي والمثير لجذب الإعلانات، مما أدى إلى تهميش القضايا الكبرى ذات الرهان الرمزي.
وخلص إلى أن الإعلام المغربي، ورغم قدرته الجزئية على صناعة المعنى وتوجيه الرأي العام داخليا، لا يزال في وضع دفاعي على الساحة الخارجية، حيث يكتفي برد الفعل بلغة عاطفية أحيانًا، بدل بناء سرديات إيجابية ومؤثرة، وهو ما يستدعي، حسب رأيه، إصلاحات هيكلية عميقة.
هل يمكن اعتبار عجز الإعلام المغربي عن الدفاع عن السردية الوطنية في ملف الصحراء نتيجة غياب رؤية تحريرية واضحة أم ضعف في القرار الإعلامي الاستراتيجي؟إذا كان ملف الصحراء قضية وطنية، يتعلق بالسيادة والوحدة والاندماج الوطني، وليس مجرد موضوع إعلامي روتيني، فمن المرجح أن الخلل يوجد على مستوى القرار الإعلامي الاستراتيجي، حتى لو ظهر للبعض أن الأمر يتعلق بارتباك أو ضعف في الرؤية التحريرية.
صحيح أن الرؤية التحريرية ضعيفة نوعا، وتميل إلى أن تكون تبريرية ودفاعية، وأحيانا ظرفية لا تتجاوز الأحداث الروتينية (اجتماع مجلس الأمن، قرار أممي، أو توتر دبلوماسي مع هذه الدولة أو تلك)، لكن قصور الرؤية التحريرية ليس كل شيء، ولا يمكن أن نحملها كل المسؤولية.
في تقديري، يتعلق الأمر بقصور على مستوى القرار الإعلامي الاستراتيجي، وأقصد الحاجة إلى سردية وطنية قوية وطويلة المدى، والاستثمار في الصحافة الوطنية لتصبح ذات تأثير إقليمي ودولي، والتموقع بقوة داخل المؤسسات والفضاءات الإعلامية الدولية، وتكوين خبراء دائمين في الموضوع.
كل ما لدينا إعلام عمومي محدود الأفق والتأثير، لم يرق بعد إلى الاشتغال بمنطق القوة الناعمة، ولا نملك أي قناة ذات تأثير إقليمي ودولي، في حين يظل الإعلام الخاص محكوما حتى الآن بمنطق السوق، ويواجه مشاكل وجودية كما هو معلوم، بات معها منشغلا بسؤال الاستمرارية أكثر من التفكير في بناء مقومات التأثير.
لهذا، أعتبر أن المشكل موجود على مستوى القرار الاستراتيجي وليس في غرف التحرير.
أين يتموضع الخلل أكثر: في الكفاءات المهنية، أم في شروط الاشتغال، أم في منظومة اتخاذ القرار داخل المؤسسات الإعلامية؟إذا كان الخلل على مستوى القرار الإعلامي الاستراتيجي، كما أشرت سابقا، فهذا يعني أن الخلل يوجد، قبل كل شيء، على مستوى منظومة اتخاذ القرار داخل المؤسسات الإعلامية.
ما ألاحظه كأستاذ باحث، وصحفي مهني سابقا، هو ضعف العلاقة بين الإعلام والدبلوماسية والبحث العلمي، بحيث نشتغل كجزر إزاء قضية ندعي أنها قضيتنا جميعا.
ما أريد قوله أننا نفتقد إلى استراتيجية هجومية، تنخرط فيها كل مؤسسات إنتاج المعرفة حول قضايانا الوطنية المختلفة.
خصوصا وأن العالم دخل مرحلة جديدة من الحروب تسمى “الحرب المعرفية”، اعتبرها حلف “الناتو” بمثابة الجيل السادس من الحروب.
وهي حرب تقوم على إنتاج السرديات والسرديات المضادة، أي على صناعة الواقع وتوجيه القرارات وتشكيل الإدراك الجماعي.
ولا شك أن هذا الجيل من الحروب يتطلب تنسيقا استراتيجيا بين كل منتجي المعرفة في الدولة، ومن بينها الإعلام.
لا يتعلق الأمر إذن بضعف في الكفاءات المهنية، لو توفرت الرؤية الاستراتيجية يمكن الاستثمار في التكوين والتأهيل، وتحسين شروط الاشتغال، والتخطيط على المدى الطويل.
كيف أثر منطق اقتصاد المشاهدات والإعلانات على أولويات الإعلام المغربي وعلى تراجعه عن القضايا ذات الرهان الرمزي؟بالفعل، يبدو أن اقتصاد المشاهدات قد غيّر أولويات الإعلام المغربي، الذي بات يركز أكثر على البرامج الترفيهية والمحتوى السطحي، وعلى الأخبار السريعة والمثيرة لزيادة نسب المشاهدة التي تحدد بدورها قيمة الإعلانات باعتبارها مصدر تمويل رئيسي.
في حالات معينة، انصرفت وسائل إعلامية معينة نحو التركيز على القضايا الساخنة وحتى الفضائحية، وربما اختلاقها، للرفع من نسب المشاهدة قصد الحصول على إعلانات تمويلية أكبر.
وهذا النوع من الإعلام هو نفسه من يساهم في صعود ما يسمى بالمؤثرين، ويعزز من أهمية المحتوى الرقمي، بما فيه السطحي أحيانا.
لذلك، نرى كيف أن القضايا الكبرى مثل قضية الصحراء، أو النقاشات السياسية والفكرية حول راهن ومستقبل الدولة والمجتمع، باتت تحتل مساحات أقل، كونها تحتاج إلى التتبع الدقيق، وإلى التحليل المعمق، وإلى محللين مطلعين، وهو الشيء الذي لم يعد يتناسب مع الوزن المتزايد للانترنيت، في حين يشهد الإعلام التقليدي تراجعا لافتا.
يتعلق الأمر بظاهرة عالمية، لكن يمكن الحد من تأثيراتها السلبية لو جرى تنظيم قطاع الإعلانات بقوانين شفافة لتعزيز الاستقلالية، واعتبرت الدولة الإعلام أداة للتنمية وبناء النفوذ، وليس سوق تجاري فقط.
هل الإعلام المغربي اليوم فاعل في صناعة المعنى أم مجرد متفاعل مع سرديات تُنتَج خارجه؟على الصعيد الداخلي هو فاعل جزئي، ما نلاحظه في السنوات الأخيرة أنه أصبح قادرا على صناعة معنى اجتماعي وترفيهي، ويستطيع توجيه الرأي العام حول قضايا داخلية، أو التعبئة ضد فاعلين بعينهم، وفي قضايا مختلفة اقتصادية، رياضية، اجتماعية.
كما أنه يساهم في تعزيز لغة الإجماع الوطني حول القضية الوطنية مثلا، وربما تحصين الرواية السائدة في هذا الموضوع من النقد، أو من تأثير الروايات المضادة.
أما على الصعيد الخارجي، فهو يبدو حتى الآن في وضعية دفاعية، يبذل جهودا كبيرة للرد على الادعاءات أو تكذيب تصريحات، وربما تفنيد السرديات المعادية، خصوصا القادمة من الجزائر أو من جبهة البوليساريو وغيرهما، وقد ينخرط أحيانا في حملات من أجل الصحراء مثل حملة “الصحراء في مغربها”، دفاعا عن سيادة الدولة ورموزها.
لكن الملاحظ أن ذلك يتم بلغة عاطفية أحيانا، لا تخلو من شتائم واتهامات ترتد سلبا على القضية.
ما أريد قوله أنه حتى الآن لم ينجح الإعلام المغربي في بناء سرديات معرفية إيجابية، مبنية على الحقائق الصلبة وعلى الإنجازات الدبلوماسية المتحققة، وهو طموح ممكن وقابل للتحقيق.
لكن للوصول إلى هذا المبتغى، لا بد من القيام بإصلاحات هيكلية وعميقة في المشهد الإعلامي، ترتقي به إلى صانع محتوى حقيقي، الأمر الذي يتطلب استقلالية أكبر وشفافية في التمويل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك