جميلة هي المصادفات التي تجعلك تقرأ نصَّين، من ثقافتين مختلفتين، ولغتين مختلفتين، فتجد تناصَّا بينهما، أو ما وجدته أنت تناصا ما، خصوصا وأنك قرأت روايتين في مدة زمنية متقاربة، ولأكون أوضح، لقد لاحقتُ في رواية «آلموت قلعة الحشاشين» لفلاديمير بارتول قصة «ابن طاهر»، أحد أبطال الرواية، أو قد يكون بطلها الرئيس، الذي تنتهي الرواية معه وهو يحاول أن يعود ليثأر من حسن الصباح الذي خدعه، مع من خُدِع فأصبحوا قتلة مغسولي الدماغ، وعندما بدأت بعد أقلّ من شهر على انتهائي من هذه الرواية، حين يصل «حسن/جوتيار» في رواية «جهانكشاي صاحب الديوان والحشّاس» (نوفل 2025) للسوداني زياد مبارك إلى قزوين بين الحياة والموت، لينقذه فيروز، وجدتني أبدأ حكاية جديدة وجدت فيها استكمالا لحياة «ابن طاهر» حيث انتهت حكايته هناك!
يتبنّى فيروز الشاب بعدما يطببه ويعتني به، مع امرأته وابنته فاطمة، ويسميه حسنا على اسم ابنه الذي فقده، حسن الأخرس، نعرف قبل ملاحقة قصته، أن صندوقا وصل إلى دار أبي عمر الشامي كتبها الظافر بدين الله مستوفي الديوان، فيها أربعة طروس قرأها أبو عمر فنكأت جراحه على ابنه المقتول قبل ثلاثين عاما، يخبر المتلقي فيها عن اسم الظافر الحقيقي «جوتيار» وأن له أسماء أخرى، ولكن لشدّة ما تأخذ الحكايا المتعددة المتلقي وتأسره منذ البدء بملاحقة حسن وفيروز وقوة حسن وذكائه وعنايته بالحشائش، ينسى تلك المعلومة ويظلّ يلاحق الطروس وما تحتويه حتى نهاية النص، أو قبَيل نهايته.
يلتقي علاء الدين أو عطا ملك الجويني، في إحدى قلاع الحشاشين بجوتيار الذي يتركه من دون أن يقتله، وتعود المصادفات ليلتقيا مجددا فيتعرف إليه علاء الدين، ومن هناك تبدأ الحكاية بينهما لتسيطر على النص، بعدما تكون قصص فيروز وأبي عمر والطروس قد سيطرت، وذلك لغاية واضحة، وهي الكشف عن تاريخ المغول في بلادنا، خصوصا في بغداد وما قاموا به من مجازر في حقّ الحجر والبشر، وفي حق الكتب والنتاج الحضاري للبلاد، في سياق سرديّ عميق وآسر، وبلغة مشغولة بعناية وذكاء.
حسن، جوتيار، الظافر، آزاد الفارسي، كلها أسماء لشخصية واحدة، وهنا لا أحرق أحداثا لأن أبا عمر يقولها في صفحات الرواية الأولى، ولكن قصة ذلك الحشّاش من أتباع الملاحدة، كما وصفتهم الرواية، هي الأساس الذي بنيت عليه الرواية، ولأنّ هذه الشخصية فيه قربٌ كبير من شخصية ابن طاهر كما سبق وذكرت، في تناصّ واضح أنه لم يقصده الكاتب، لأن قصة «عطا ملك صاحب كتاب «تاريخ جهانكشاي» (تاريخ فتح العالم أو فاتح العالَم)، والتي كانت همّ زياد مبارك الأساسي، ليقول إنّ العائلة الجوينية عندما عملت مع المغول، كان منهم من أراد فضح تاريخهم وتوثيق مجازرهم، وقد فعلها، وهذه قصته.
تداخلت قصص كثيرة داخل النص، خصوصا تلك التي كان يعود فيها إلى الطروس وأبي عمر، والاعتراف بالذنب والندم الذي وثّقه جوتيار/الظافر بدين الله بعدما تعلّم الكتابة على يد علاء الدين الجويني، ولعل تلك العودة إلى أبي عمر، وحفيده عمر وأفراد عائلته والوعد من عابد ومجاهد بالأخذ بالثأر، هم الذين خافوا عليه وعلى صحته بعدما بدأ بقراءة الطروس، كانت تؤكّد على المسار الذي أرادته الرواية لهذا الحشّاش/القاتل، الذي كان يعود «ضميره» ليسرد ما قام به ويحمّله الذنب ويؤنبه ويذكره بأنه لن ينجو من نفسه، إن نجا من العقاب الدنيوي، حتى إن اعترف وتاب، وهنا تأخذنا الرواية إلى مساءلة أنفسنا، فهل مقبول أن يُعفى عن المذنب إن هو تاب وثبتت توبته؟قصة عطا ملك أو علاء الدين، الذي يموت وهو ينهي كتابه الذي حفظه التاريخ وحفظ للتاريخ شهادة حيّة على واحدة من أبشع مجازره، ما قام المغول في بلادنا، وثّقت الرواية للأحداث، وصوّرتها، وسردت المجازر وما رافقها من دم وموت وخراب، حسّنت صورة الجويني وعائلته، على الرغم من أنّ البعض يرى في كتابه توثيقا لأمور جيدة قام بها المغول، حتى وجوده بينهم وقبوله بمنصب تجري من تحته الدماء والدمار لهو إدانة بحد ذاتها، ولكن الرواية جعلته يقول «سأكتب سيرة المغول يا جوتيار، سأكتبها بدماء أهل بغداد! »، وفي أثناء ذلك علّم جوتيار الكتابة ليكتب سيرته، تلك التي كانت ظهرت في الطروس الأربعة، سيرة القاتل جوتيار، وسيرته التي ظهرت في الرواية نفسها، سيرة التائب «حسن».
قصص الرواية وتشعبّاتها كانت ثقيلة، ولكن من النوع المحبّب، لأنها تحثّ على التركيز والتفكير، وتحثّ على ملاحقة الشخصيات وعلاقاتها مع بعضها ومع مكوّنات النص الأخرى، علاقاتها بالمكان والزمان، وعلاقاتها بكلّ حدث وما ينتج عنه، ولكن حكاية واحدة لم تكن بقوة الحكايات الأخرى، وهي زواج «آزاد» الفارسي بفاطمة، ابنة فيروز، آزاد صاحب الأموال والجاه، والذي هو نفسه حسن وجوتيار والظافر، فقد وجدتها حكاية أُقحِمت على النص، وفيها سذاجة، كان يمكن للكاتب أن يبعد روايته «الثقيلة» عنها.
أما فكرة «الراوي العليم» والتجريب الذي حاول الكاتب الخوض فيه في الرواية، فكان يمكن الاستغناء عنها لأنّ النصّ قويّ بنفسه وليس بالتجريب الذي لم يكن حضوره قويّا.
هي رواية تاريخية في زمن الرواية التاريخية المنتشرة بكثرة في النتاج العربي للرواية، ولكنها ببصمة خاصة لكاتب سوداني يدخل عوالم بعيدة عن بلاده وواقعها، وهذا يحسب له، خاض في زمن سقوط العباسيين وبداية حكم المغول، حيث التناقضات والصراعات، موقفه كان واضحا من الحشاشين/الملاحدة تحديدا من خلال توبة حسن وتعدد الشخصيات لشخص واحد، وموقفه واضح من تلميع صورة الجوينية، ولكن الثابت الأساسيّ في الرواية هو الإمتاع الذي يرافق المتلقي حتى نهايتها، وأنه يظلّ مستفَّزا خلال كل ذلك، وكأنه يناقش الكاتب كلما مرت فكرة قد يوافقه، أو لا يوافقه عليها.
«جهانكشاي صاحب الديوان والحشّاش» رواية تُقرأ وتقدَّر لكاتب مجتهد، في البحث والعناية باللغة والسرد والشويق، من دون أن يطغى التأريخ على السرد، ومن دون أن يكون التاريخ مقحَما على سردٍ في جوهره لنصّ حديث.
وأعود إلى المصادفة التي جعلتني أربط نهاية قصة «ابن طاهر» في رواية «آلموت» مع بداية قصة «حسن» في هذه الرواية، لأقول إن الإبداع في بلادنا، سيظلّ تاريخها بأزماته وحروبه وصراعاته مسيطرا عليه إلى أجل لا يمكن أن يسمّى!

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك