حان الوقت لأكتب عن كاتب «ازدواجية المعايير في قراءة الحرب».
كنت أنشر في عدد من المنصات المألوفة لدي، ولم أعرف أن لتأسيس منصة خاصة بها.
وعندما دعاني لنشر مقالاتي في التنوير.
لم يأخذني الكثير من الوقت لأتساءل: من هو هذا الناشر؟
من هو أ.
نجم الدين دريسة؟ وعندما بدأت في بعث مقالاتي؟ اقتنعت بالمسلمات؛ وهو من أنشط الناشرين! عشرات من ساعات العمل اليومي، والذكاء في عرض صورته.
تقول الصورة: هأنذا غارق حتى الركب فيما أعمل.
أختار ما أشاء، وحيث أشاء، ومتى ما شئت.
وتقول الصورة أيضًا: يمكنني القفز أو الانبطاح والنوم وأنا أكتب.
كيف يفكر وهو يلعب مع أطفاله الصغار؟ أسمع ضجيجهم متى ما اتصلت به.
يحتفظ دائمًا بهدوئه، ونقاء تفكيره، وحسن معاملته.
حتى الآن لم نتقابل وجهًا لوجه في اجتماع مطول، لكنني أعرف بالضبط ماذا سأرى، لأنني أعتقد بأنني أعرف عنه أشياء… وأشياء.
فهو من «الغرابة» الذين وضعتهم «الجلابة» تحت المقصلة.
أتعجب! لم تكن بيننا في جامعة الخرطوم مثل هذه المعاملة.
كان أصدقائي في الجامعة من لقاوة، وأم دقايق، والضعين، والنهود، أحدهم، من أم روابة، اختطفه مني الموت أمسية عودتي من سنجة لأحتفل بتخرّجه من كلية الطب؛ دهسته سيارة وقضت بذلك أحلام أسرته.
وصديقي الدائم، صديق الحوامة وارتِياد المسارح والسينما، كان الغرابي أيضًا، الفيلسوف النور عوض النور، ساكن أم درمان، يجمع الجمل والكلمات والحِكم من لافتات الشوارع وأعمدة النور في الخرطوم وأم درمان وبحري.
لم أجد فرقًا بين ما جمعه من لافتات شوارع العاصمة، وبين ما كنت أقرأه وأنا أسير على قدميّ من مكتبة الفاتح النور في الأبيض إلى منزل زوجة أبي البقارية، التي لم يشفع لها أن والدها نوبي من قريتنا عبكنارتي، القرية الغارقة تحت ستين مترًا من مياه السد العالي، والتي تقهقر اسمها حضاريًا إلى رقم «القرية ١٥» في فيافي البطانة.
كنت أقضي في هذه القرية الرقمية عطلاتي الجامعية أشارك في حملات القضاء على الفيران وزراعة الموز والرمان وكل أنواع الخضروات المستوردة في حديقة (ماكشفت Makeshift) أقمتها في بيتنا المجاور الخاوي.
لكنني تركت السودان طالبا للعلم ومهاجرًا في منتصف السبعينات.
لم أستطع التنفّس.
غلب عليّ مرض الربو كلما تذكرت مقدار إجرام حسن الترابي وسرقته لثورتنا عام ١٩٦٤.
نعم سرقها ونصب نفسه أيقونة الثورة بعد أن قفز على ظهر الكومر الذي حمل رفاة الشهيد أحمد القرشي طه إلى مثواه الأخير في مقابر قرية “القراصة” الواقعة في ولاية النيل الأبيض بالقرب من المناقل، ولقد قتل القرشي برصاص الجيش إبان أحداث جامعة الخرطوم وأصبح رمزاً للانتفاضة الشعبية.
لم احتمل العيش مع جهل عضو مجلس قيادةً ثورةً نميري الزين محمد أحمد عبد القادر (الزين كو)؛ ومرتادي أحياء البغايا النميري ورفقته من أعضاء الحزب الشيوعي والجبهة الإسلامية اللذين تحولا إلى الاتحاد الاشتراكي فيما بعد.
ولا أنسى زميلي في داخلية بحر العرب سام اليوغندي وهو يحتفل بإفراغ جيوبه عندما تصله المنحة الشهرية منً والده الثري، قبل أن يمضي في طواف الاستدانة والشحادة ومنافسة نميري ورهطه في النط فوق مجاري المياه خلف شارع مستشفى الخرطوم التي صارت مرتعا للحيوانات المنوية.
كذلك لم يفارق مخيلتي ذلك الزميل الصامت الذي لم نسمع له صوتا إلا في العصرية التي قطع وقتها (عضوه التناسلي) بسكين سرقه من قاعة الطعام! أخذوه للمستشفى وهو يصرخ.
كنت ضجراً حتى أنني لم اهتمّ بالواقعة اطلاقاً ولم اعرف ما حاق به بنصف عضو تناسلي أو بدونه.
لم أحتمل العيش مع دولة تتبدّل وجوهها ويبقى منطقها واحدًا.
فهاجرت إلى كلفورنيا بالولايات المتحدة الأمريكية.
ا.
نجم الدين دريسة الناشر… قبل الكاتب.
ينتمي نجم الدين دريسة إلى جيلٍ لم أره حتى اجتمعنا في كمبالا وأديس أبابا ونيروبي، ونحن نخط بالقلم ووجع المصارين تحالف ودستور التأسيس.
من هنا أكتب عنه الآن.
قبل أن أقرأ للأستاذ دريسة ككاتب مقالات، عرفته كناشر.
والناشر في هذه المرحلة ليس موظفًا خلف شاشة، بل جزء من معركة الوعي نفسها.
يدير *التنوير* بانتظام يومي، بصبر، وبلا ضجيج، وبفصلٍ واضح بين النشر والقراءة.
يفتح المنصة، ينشر، ثم يقرأ بعد ذلك مثل الجميع.
هذا السلوك وحده يشرح كثيرًا من ملامح كتابته.
في بلد اعتادت أن تكون المنصات أدوات تعبئة أو اصطفاف، يختار دريسة موقعاً أصعب: مساحة تسمح بالاختلاف دون تحويله إلى فوضى، وبالنقد دون أن يكون تصفية حسابات.
أكتب عنه الآن لأن مساره ككاتب وناشر صار مكتمل الملامح.
بين ديسمبر ٢٠٢٥ وفبراير ٢٠٢٦، تراكبت نصوصه مع إيقاع منصته.
صار ممكنًا قراءة خيطٍ واحد: كيف تُدار اللغة في زمن الحرب، وكيف يُبنى فضاء للنقاش دون أن يتحول إلى دعاية أو حياد فارغ.
اخترت عشوائيا بين ١٥ ديسمبر ٢٠٢٤ و٨ فبراير ٢٠٢٦ أربع مقالات متفرقة.
(١) ازدواجية المعايير في قراءة الحرب.
كتب دريسة هذا المقال لا لأنه لا يرى التعقيد، بل لأنه يراه جيدًا جدًا، لكنه يختار زاوية آمنة نسبيًا.
كتب المقال بوصفه منصة ضبط أخلاقي لا موقفًا تاريخيًا.
هنا يظهر حذر الكاتب بوضوح: الخوف من السقوط في الاستقطاب يقوده إلى أخلاقنا القراءة، وهو اختيار مفهومً لكنه يحمل خطر تحييد التاريخ نفسه.
(٢) السلطة أولًا… ثم الوطن لاحقًا؟ينتقل إلى السياسة بسؤال مشروع، لكنه يفترض تعارضًا بنيويًا بين السلطة والوطن، ويتردد في طرح السلطة كأداة انتقالية لكسر دورة العنف.
هذا التردد يعكس أزمة أوسع في الثقافة السياسية السودانية: الخوف من السلطة حتى تكون ضرورة انتقالية.
(٣) أزمة العقل المؤسسي في تحالف تأسيس.
يبلغ النقد ذروته اللغوية، لكنه يُسقط معايير الدولة المستقرة على مشروع يولد تحت النار.
هنا يكمن الخطر الحقيقي.
محاسبة مشروع تأسيسي بمعايير لم تتحقق بعد، بدل النظر إليه كعملية تشكل.
(٤) سلطة بورتسودان: دولة تُدار بالكذب….
في هذا المقال يقترب أكثر من تسمية الواقع.
الكذب هنا ليس خللًا بل أداة حكم.
هذا النص هو الأكثر تماسكا مع جوهر **الدولة العنيفة**، حيث تصبح الأكذوبة سياسة، والإدارة غطاء للقهر.
هذا المقال لا ينقض مشروع دريسة، بل يضعه في سياقه.
هو قراءة لمسار كاتب وناشر اختار الحذر المنهجي في زمن يتكاثر فيه الصراخ.
لكن لحظة التأسيس تتطلب أكثر من الحذر: تتطلب وعياً بخطر إعادة إنتاج السلوك العنيف، حتى داخل المشاريع التي ترفع شعار القطيعة مع الماضي.
دريسة، نجم الدين.
ازدواجية المعايير في قراءة الحرب.
التنوير.
دريسة، نجم الدين.
السلطة أولًا… ثم الوطن لاحقًا؟ التنوير.
دريسة، نجم الدين.
أزمة العقل المؤسسي في تحالف تأسيس.
التنوير.
دريسة، نجم الدين.
سلطة بورتسودان: دولة تُدار بالكذب… التنوير، ٨ فبراير ٢٠٢٦.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك