حصار دولة محاصرة.
هذا ما تواجهه كوبا حالياً، مع إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قطع النفط الفنزويلي عن الجزيرة، وتهديده بفرض تعرفات عقابية صارمة ضد الدول التي تحاول سد النقص في الإمدادات.
وتعاني كوبا أساساً من أزمة اقتصادية بنيوية، بسبب حصار أميركي يعتبر الأطول في التاريخ الحديث، بدأ عام 1960 ليصبح شاملاً بعد سنتين، ما عزل كوبا عن منظومة التجارة الدولية، وسط تحكّم الولايات المتحدة بالنظام النقدي والمالي العالمي، ومنعها بفعل العقوبات المتواترة الاستثمارات الأجنبية في الجزيرة الشيوعية، ووقفها المعاملات المالية، لينكمش اقتصاد كوبا، وفقاً للبنك الدولي، بنسبة 1.
1% في عام 2024.
وفي 29 يناير/ كانون الثاني الماضي، وقّع ترامب أمراً تنفيذياً اعتبر فيه كوبا" تهديداً للأمن القومي الأميركي"، وأعلن رسمياً أنه" لن يصل النفط أو المال إلى كوبا بعد الآن - صفر! ".
وهدد بفرض تعرفات جمركية عقابية على أي دولة تقوم ببيع أو توريد النفط إلى كوبا، وهو ما وضع ضغطاً هائلاً على دول مثل المكسيك وروسيا.
ونتيجة لذلك، دخلت كوبا في موجة من الظلام وسط انقطاعات متكررة للتيار الكهربائي، ونقص في الغذاء، وشح الوقود الذي أدى إلى توقف المرافق الحيوية والاقتصادية، وتعطيل حركة الطيران إلى البلاد ومنها.
وسبق هذا الحصار النفطي تضييق كبير مع إدراج كوبا في قائمة" الدول الراعية للإرهاب" في أيام إدارة ترامب الأولى في يناير 2021، حين أعاد ترامب كوبا لهذه القائمة، مما فرض قيوداً مالية دولية قاسية على البلاد.
كما منع ترامب أي معاملات مالية مباشرة مع كيانات مرتبطة بالجيش الكوبي الذي يسيطر على جزء كبير من السياحة والاقتصاد، وحظر رسو السفن السياحية في كوبا، ومنع الرحلات الجوية إلى المدن باستثناء هافانا.
كما وضع حداً أقصى للتحويلات المالية التي يرسلها الكوبيون في أميركا لعائلاتهم (1000 دولار كل 3 أشهر)، ثم أغلق قنوات التحويل التي يديرها الجيش.
وفي عهد جو بايدن استمرت معظم العقوبات الأساسية، لكنه سمح مجدداً بالرحلات الجوية للمدن الكوبية الأخرى، ورفع سقف التحويلات المالية، وأعاد تفعيل برنامج لم شمل الأسر الكوبية.
وكوبا تعاني من أزمة وقود منذ سنوات، فبعد تفشي جائحة كوفيد-19، خفضت شركة النفط الحكومية الفنزويلية صادراتها لتجنب نقص الوقود في الداخل، وكذا فعلت روسيا والمكسيك بعد العقوبات الأميركية، وهو ما ألقت الحكومة الكوبية باللوم فيه على العقوبات الأميركية التي فُرضت خلال الولاية الأولى لترامب ولاحقاً بايدن.
أدت هذه النواقص إلى انقطاع التيار الكهربائي عن شبكة الكهرباء التي تعمل بالوقود في الجزيرة، ففي عام 2024، غرق سكان الجزيرة البالغ عددهم أكثر من 10 ملايين نسمة في ظلام دامس عندما نفد الوقود من الشبكة.
كما واجه الكوبيون نقصاً في الغذاء والدواء في السنوات الأخيرة، وقد تفاقم هذا النقص بسبب الأعاصير التي عطلت شحنات السلع الأساسية.
وفي الوقت نفسه، أدى الحظر الأميركي إلى منع الاستثمار الأجنبي، وجعل الحصول على السلع أمراً صعباً.
وتُلبّي كوبا نحو ثلث احتياجاتها من الطاقة من إنتاجها المحلي، وفقاً لمصادر نقلتها وكالة الأنباء الإسبانية" إيفي".
أما الباقي، فتعتمد فيه على الواردات، لا سيما من المكسيك، وبدرجة أقل من روسيا، فيما كانت فنزويلا تمثل نحو 30% من إجمالي الإمدادات في عام 2025.
وقالت الرئيسة المكسيكية، كلوديا شينباوم، يوم الاثنين، خلال مؤتمر صحافي، إن المكسيك ستواصل تقديم المساعدات الإنسانية لكوبا، مع استكشاف سبل استئناف شحنات النفط إلى الدولة الجزيرة.
وأكدت شينباوم أن شحنات النفط المكسيكية إلى كوبا متوقفة حالياً، بعد أن أصدر ترامب مرسوماً يقضي بفرض تعرفات جمركية على جميع الدول التي تزود الدولة الكاريبية بالنفط.
وقالت إنه" من الظلم البالغ فرض عقوبات على الدول التي تبيع النفط لكوبا.
إنه أمر ظالم وغير صحيح، لأن العقوبات التي تمس الشعب ليست صحيحة أبداً.
قد يتفق المرء أو يختلف مع نظام الحكم في كوبا، لكن لا ينبغي أبداً أن يتأثر الشعب".
في المقابل، أعربت الأمم المتحدة عن قلقها إزاء النقص المتزايد في الوقود في كوبا وتأثيره بالناس، وسط اضطرابات طرأت على إيصال المياه النظيفة والرعاية الطبية والغذاء، وغيرها من المساعدات الحيوية في أجزاء من كوبا التي تضررت بشدة من إعصار ميليسا في أكتوبر الماضي.
وانتقد المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف" التكتيكات الخانقة" التي تتبعها الولايات المتحدة، وقال إن موسكو تسعى" لتقديم كل مساعدة ممكنة"، بينما تعهدت الصين، يوم الثلاثاء، بمساعدة كوبا، وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، لين جيان، للصحافيين في بكين: " نحن نعارض بشدة أي تحركات تحرم الشعب الكوبي من حقوقه في العيش والتنمية، ونعارض السلوكيات غير الإنسانية.
وسنقدم، كما هو الحال دائماً، المساعدة والدعم لكوبا".
وأعلنت القيادة الكوبية، يوم الأحد الماضي، أن وقود الطائرات سينفد من البلاد ابتداءً من يوم الاثنين، الأمر الذي قد يعطل عمل شركات الطيران الأميركية والإسبانية والبنمية والمكسيكية.
وأفاد البيان الصادر في نهاية الأسبوع بأن الإجراء سيستمر حتى 11 مارس/آذار.
ويؤدي توقف التزود بالوقود إلى زيادة الضغط على قطاع السياحة في كوبا، الذي شهد انخفاضاً بنسبة 18% في عدد الزوار العام الماضي، مقارنة بعام 2024، وهو مصدر حيوي للعملات الأجنبية النادرة، بحسب" فاينانشال تايمز".
وتلقت كوبا آخر شحنة نفط في 9 يناير/كانون الثاني من المكسيك، التي أرسلت في نهاية الأسبوع 814 طناً من المواد الغذائية وغيرها من المساعدات الإنسانية، في سعيها لإيجاد حل دبلوماسي مع الولايات المتحدة لاستئناف شحنات النفط.
ويعتقد خورخي بينيون، الخبير في شؤون الطاقة الكوبية بجامعة تكساس، في حديث مع" وول ستريت جورنال" أن الانهيار وشيك، إذ سينفد النفط تماماً بحلول شهر إبريل/نيسان على أقصى تقدير.
وقال إنه" في كوبا، سيحدث أكبر انقطاع للتيار الكهربائي رأيتموه على الإطلاق أسرع مما تتصورون.
والآن ماذا؟ هذا هو السؤال الذي يراودني".
قال الرئيس الكوبي، ميغيل دياز كانيل، الأسبوع الماضي إنه منفتح على إجراء محادثات مع الولايات المتحدة دون" شروط مسبقة"، طالما أن تغيير النظام ليس مطروحاً على الطاولة.
وكشفت الحكومة الكوبية، هذا الأسبوع، عن خطة طوارئ صارمة تتضمن إغلاق بعض الفنادق، وتقليص ساعات العمل في المكاتب العامة والمستشفيات، وحظر بيع الديزل، في محاولة للبقاء على قيد الحياة دون استيراد النفط الخام ومشتقاته.
وأعلنت الحكومة عن تدابير أخرى تشمل إلغاء الدروس في جامعة هافانا، وتأجيل الفعاليات الثقافية والرياضية، وجرى تقليص وسائل النقل العام بشكل كبير.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك