لو أقام الإسرائيليون تمثالاً في كبرى ساحات تل أبيب للسيناتور الجمهوري الأميركي، ليندسي غراهام، لما وفّوه حقَّه، لقتاله بلا توقّف أو تراجع عن وجودهم، ومناصرتهم في حروبهم كلّها، حتى لو كانت على حصّةٍ مفترضة لهم في ريّ القرنبيط؛ فالرجل" جبهة" في حدّ ذاته للذود عن حمى" خرفان بني إسرائيل الوديعة"، والتحريض المتواصل على أعدائها.
والأخيرون أصحابُ حقّ، ورغم أنهم يتعرّضون للعدوان الإسرائيلي الوحشي، فذلك لا يشفي غليلَ غراهام، الذي يغتنم أيّ فرصةٍ تسنح لتحريض بلاده (الولايات المتحدة) ورئيسها على إبادتهم، ولإكمال ما لم تفعله إسرائيل بعد فيهم.
وفي هذا، يتّسم أداءُ غراهام بالصلف الذي دفعه إلى إنهاء لقاءٍ مُقرَّرٍ له مع قائد الجيش اللبناني رودولف هيكل، لأن الأخير تجرّأ وأخبره أنه لا يعتبر حزب الله منظمةً إرهابية" في السياق اللبناني".
وقبل ذلك، كان غراهام قد أعلن رفضه لقاءَ هيكل في زيارةٍ كانت مُقرَّرةً إلى البنتاغون في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، لموقف قائد الجيش من ملفّ نزع سلاح حزب الله.
وأدّى موقفُ غراهام وآخرين في مجلس الشيوخ ومسؤولين في إدارة ترمب إلى إلغاء تلك الزيارة، قبل ساعاتٍ من موعد سفر هيكل إلى واشنطن.
وهذا وسواه يُفترض أن يدفع الجميع لرفع القبّعات لهيكل، الذي فعل ما لا تفعله نُخبُ المنطقة التي تستقبل غراهام بترحيبٍ استثنائي كلّما زارها، وكثيراً ما يفعل؛ وفي كل مرّة يكون محاميَ الشيطان الذي يُصفّق له ممثّلو الضحايا أو زعماؤها، ما يكشف حجمَ المهانة التي وصلت إليها هذه النُّخب.
سوّغ غراهام أيَّ (وكلَّ) ردٍّ عسكري لإسرائيل خلال عدوانها على قطاع غزّة، حتى لو كان نووياً، فلم يخرج مسؤولٌ عربي واحد، حتى لو كان موظّفاً إدارياً في نقابة الغزل والنسيج في هذه الدولة العربية أو تلك، مطالباً بحظر استقباله في دولته واعتباره شخصاً غير مرغوبٍ فيه، رغم أنه عضوٌ في مجلس الشيوخ وليس وزيرَ الدفاع الأميركي، ما يعني أن مقاطعته لا تُعدّ قطيعةً دبلوماسية، بل عملاً سيادياً، بينما لم تترك إسرائيل مسؤولاً غربياً مندّداً بمجازرها إلا وصنّفته في قائمة غير المرغوب فيهم، بمن فيهم الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس.
لم يُخطئ قائدُ الجيش اللبناني، بل أصاب، وقدّم مثالاً على الاستقامة والكرامة في زمن الانحناء المديد والمجّاني؛ فملفّ سلاح حزب الله بالغُ التعقيد وليس تقنياً وحسب، ويتعلّق بالسلم الأهلي أكثر منه تهديداً للجارة الوديعة.
ومن شأن التعامل معه بفجاجةٍ ومن دون تحسّب أن يودي بالبلاد إلى حربٍ أهلية، أو على الأقلّ إثارة ضغائن وإحداث بيئةٍ مسمومة مهيّأة (في أيّ وقت) لإنتاج حالةٍ من العمل الانتحاري الداخلي (تخريباً وانتقاماً)، بينما بالإمكان التفاهم مع الحزب نفسه على عبور هذه المرحلة بأقلّ قدرٍ من الخسائر في صفوف اللبنانيين.
ثمة مراحل أقرّتها الحكومة اللبنانية لنزع سلاح حزب الله، والجيش ينفّذها، وتعلم واشنطن وتل أبيب أنه ملتزمٌ بذلك؛ لكن ما يُراد له أن يدخل في صراعٍ مسلّحٍ مع الحزب، أي أن يقضي عليه بأيدٍ لبنانية، وبالنيابة عن إسرائيل، وهو ما رفضه قائدُ الجيش اللبناني: والظنّ أنه لا نه يعبّر في هذا عن نفسه وحسب، رغم حدّة الخلافات واتساع شقّتها بين الفرقاء اللبنانيين، في هذا الملفّ وغيره.
ما يدور الحديث عنه هو تنفيذ عمليات إبادة للحزب لا نزعَ سلاحه؛ فعندما يُطلب من جيشٍ يرى بلاده تُقصف ليلَ نهار أن يفتّش بيوتَ مواطنيه في الجنوب بيتاً بيتاً لنزع سلاح الحزب، فهذه وصفةٌ جاهزة للحرب الأهلية.
والأسوأ أنها ستكون وصفةً عبقريةً لخلق انقسامٍ لا رجعةَ عنه، أهلياً وليس سياسياً؛ فحزب الله ليس مجرّد تنظيمٍ سياسي بقدر ما هو ممثلٌ لمكوّنٍ اجتماعي (شعبي وطائفي)، حتى لدى معارضيه من الطائفة نفسها.
والإجهاز بلا رحمة على الحزب بعد عدوان إسرائيل لا يعني سوى الشراكة معها، خاصةً أن المعروض على لبنان كلّه، بمختلف مكوّناته، ليس أقلّ من الاستسلام والرضوخ.
ولا يوجد عسكريٌّ واحدٌ تربّى على قدسية السلاح وأولوية السيادة يمكنه أن يقبل هذا، مهما كان رأيه في حزب الله وسلاحه وبيئته، بل حتى في أناشيده الدينية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك