قبل أمس كنت في دعوة رفيق درب من قبيلتي، وهو أخ عزيز وغالي، وكانت الدعوة في استراحته على وجبة عشاء عادية ومتواضعة، عمل مقاديرها ثم طبخها أمامنا في حوش الاستراحة، وكان يرافقني أحد أشقائي، ويرافق مضيفنا أحد أشقاءه، وبينما نحن نتناول القهوة والشاي ريثما يتم الإعداد والتحضير لوجبة العشاء، إذ بنا نشاهد ما يشبه الشجار بين مجموعة من النساء ورجل مسن قيل لنا فيما بعد أنه تجاوز مئة عام، وإذا به يفلت منهن ليدخل من بوابة استراحة صاحبي التي نحن متواجدين بها حتى أخذ يهرول نحونا، في حين استحيت النساء وبقين خارج البوابة، وفهمنا منهن أن المسن يعاني من زهايمر، ويرغبن عودته لهن، مما دعانا جميعًا لمحاولة إقناع المسن بالعودة لهن، لكن رفض إلا بالبقاء معنا، الأمر الذي استوجب من مضيفنا إقناع النسوة أن ذلك المسن بمثابة والد الجميع وأنه سيبقى لدينا كضيف حتى يقتنع بالعودة لهن برغبة وهدوء.
ذلك المسن لا يعرفه أيًا منا، فهيئته لا توحي بأي معاناة لديه، وملابسه جيدة ونظيفة، ومنطقه أيضًا جيد، فرحبنا به، وإذا به يكرر الترحيب بنا ويجلس بجوارنا متبسمًا، وكأنا نتعارف من زمان، فيوجه نحوي وأنا بجواره سؤالًا مباشرًا بالقول: كيف حالك يا أبو محمد؟ قلت له: بخير ولله الحمد، وكيف حالك أنت؟ قال: أبشرك بخير، ثم عاود علينا واحد واحد بتكرار نفس السؤال: كيف حالك يا أبو محمد؟ قلنا: بخير.
بعد قرابة ربع ساعة أتانا حفيده ليقول: هذا جدي، واعذرونا، فهو يعاني من الزهايمر، وحاول الحفيد معه تكرارًا أن يعود لأسرته المجاورة لموقعنا، إلا أن المسن قال للحفيد: ألا تستحي، كيف أترك ضيوفي وأنصرف عنهم؟ فأوضح لنا الفتى أن جده يستشعر أننا نحن ضيوف عنده، وطلب المسن من الحفيد الاستعجال بإحضار العشاء للضيوف، وبقي ذلك الفتى الذي يملأ وجهه الأدب والحياء والخلق الحسن والاحراج يقنع جده بالعودة معه، إلا أنه امتنع إلا بعد أن يقوم بواجب الضيافة للحضور.
مكث الحفيد في محاولة مستمرة لإقناع جده بالعودة معه، ولم يستطع إقناعه، وكليهما يتبسم الجد وحفيده.
بعد ربع ساعة لاحقة لما سبق حضر أحد أبناء المسن وهو عم الحفيد، وسلم علينا جميعًا وقبل جبين والده وابن أخيه وهم يتبسمون جميعًا، ثم قال لنا: العذر والسموحة إن كان والدنا سبب لكم بعض الإحراج، فقلنا: هو وأنتم ضيوف أعزاء وعلى الرحب والسعة، وبعد أن شرب الأبن القهوة حاول إقناع والده بالعودة، ولكن والده امتنع إلا بعد تجهيز عشاء الضيوف وانصرافهم، ظنًا منه أننا جميعًا في بيته وفي ضيافته كما أفادنا ابنه وحفيده بمضمون مقصد الشيخ الكبير.
بعد فترة اوضح المسن لأبنه رغبته لدورة المياه أكرمكم الله، وكانت الفرصة لأخذ والدهم إلى موقعهم الذي يتنزهون فيه بجوار استراحة صاحبي المضيف، واستأذنوا جميعًا في رعاية الله.
بقينا نتساءل عن حال ذلك المسن الذي عرفنا لاحقًا أنه كان من أكرم وأشجع الرجال وله صولات وجولات مشرفة في الحياة، ولكن أمر الله بعجلة الزمن التي ظلت تدور حتى نكسته في الخلق والجميع لا يشعر اتباعًا لقول الله تبارك وتعالى: “وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا”.
شخصيًا أنا هنا اعترف لربي ولكم أنني لست صالحًا كما يجب، وحسبي أنني بشر ضعيف ربما أخطي أكثر من الصواب وأذنب، وأستغفر الله ربي وأتوب إليه، فقد ساقني القدر في الليلة التالية مع مجموعة لا يتجاوز عددنا ستة أشخاص فظنوا بي الخير وهم خير مني وأصروا أن أكون إمامًا لهم بصلاة العشاء، فصليت، وبعد قراءة الفاتحة أراد الله أن قرأت على الفور سورة التين، وعندما وصلت لقوله تعالى: “لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ”، فجأة علم الله تذكرت موقف الليلة التي قبلها مع الشيخ المسن، فلم أستطع إكمال الآية وارتبكت بين خوف وحزن فظن من خلفي أنني نسيت أو سهيت وهم يصححون، ثم عاود القراءة من بداية السورة، غفر الله لنا ولكم كل ذنب.
بعد الصلاة وجد مدخلًا لأذكر لمن حولي في المسجد بموقفنا في الليلة التي قبلها مع المسن، وأننا كلنا ذلك المخلوق المسكين الضعيف الذي لا يملك حولًا ولا قوة عندما يشتعل الرأس شيبًا ويهن العظم والعقل والإدراك، ونسأل الله للجميع الثبات على الحق وحسن الختام.
وشكرًا من الأعماق لأخي الغالي نائب قرية آل شراع/ أحمد يحيى أحمد المشرعي، فهو مضيفنا ذلك المساء الجميل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك