يُلاحظ أن معظم أفلام أمريكا اللاتينية تستمد هويتها من" رثاء البؤس الشامل" مقارنة بالسينما العالمية؛ إذ اكتسبت هذه السينما شهرة دولية بكونها تكاد تكون الوحيدة التي لا تخجل من تعرية المظاهر السلبية لواقعها.
وهذا يؤكد أن السينما في أمريكا الجنوبية أكثر مرونة وجرأة في مواجهة الذات من أي مكان آخر.
يأتي الفيلم البرازيلي الجديد" حالة ذعر" للمخرج بيدرو موريللي، والذي يُعرض حالياً على منصة" نتفليكس" من بطولة نارونا كوستا وكاميلا داميو، ليقدم لنا الفوضى الاجتماعية ويوثق الحقيقة عبر كاميرا تتسم بالتعبير الواضح والالتزام الفني.
تتمحور قصة الفيلم برؤية فكرية ذكية حول" كريستينا او كريس"، مستشارة منظمة" الأخوية" التي تتبنى أعمال الشغب في المدينة.
تتصاعد الأحداث حين تقبض الشرطة على ابنة أختها" ليزا" أثناء تجولها مع صديقها.
هنا، تقرر كريستينا بدء مفاوضات مع السلطات لاستعادة الفتاة، مع إصرارها على توجيه" الأخوية" بعدم استخدام العنف.
بيد أن الجماعة ترفض الانصياع، وتقرر بدء أعمال شغب واسعة احتجاجاً على نقل زعمائهم إلى سجون أكثر تشديداً.
ومع اشتداد المواجهات، تجد كريستينا نفسها في دوامة بين مطرقة الشرطة وسندان الأخوية، لتنجح في النهاية في تخليص" ليزا" قبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة متأثرة برصاص الشرطة.
تكمن قوة الفيلم في ترابط مشهديه الأول والأخير؛ حيث يبدأ الفيلم بمشهد لشرطي يسرع بزوجته في سيارة الدورية نحو المستشفى وهي في حالة مخاض شديد، بينما يطاردهم أفراد عصابة.
وأمام صرخات الزوجة وعجزها عن تحمل الألم، يضطر الشرطي للتوقف في مكان معزول ليقوم بتوليدها بنفسه.
أما المشهد الختامي، فهو ذروة الدراما؛ حيث تمسك" ليزا" المسدس وتفتح النار على سيارة الشرطي ذاته في شارع يعج بالفوضى، ظناً منها أنه المتسبب في مقتل خالتها" كريستينا".
لكن الصدمة تحل حين تسمع صوت بكاء طفل من داخل السيارة؛ لتقترب وتجد الشرطي قد فارق الحياة برصاصها، والأم ممدة في الخلف تحتضن وليدها.
تأخذ ليزا الطفل وتبتعد، بينما تنسحب الكاميرا" كادر واسع" وهي في منتصف الشارع، ليصاحب الصورة صوت والدها (Voice-over) بكلمات كان يرددها في طفولتها.
كان" صوت الراوي" بمثابة سرد داخلي وظفه المخرج بعناية لتعميق الفكرة الفلسفية للفيلم.
وقد تميز العمل بـ:
التكوين البصري: الاعتماد على اللقطات المتوسطة والواسعة القادرة على ترجمة الأجواء المشحونة.
الواقعية الحميمية: تصوير الحياة المعاشة في البرازيل بصدق يقترب من الوثائقية.
التكثيف الدرامي: نجح المخرج في التخلص من الحشو والتفاصيل الزائدة، وصولاً إلى" جوهر" الصراع الإنساني.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك