«انتقل إلى جوار ربهم أحباب الرحمن وعرسان الجنان، أميرة قلبي وملكتي الجميلة ليلى، وتوأم روحي والقلب الحنون زين، وصديقي الصدوق أجمل ضحكة في الدنيا يونس، سامحوني إن قصرت في حقكم، اشفعوا لي عند ربكم، فأنا لم أشبع منكم في الدنيا».
لم تكن كلمات عابرة كتبها أب على صفحته، بل كانت اعترافًا موجعًا بالفقد، ونداءً مكسورًا خرج من قلب احترق قبل أن تحترق الشقة، محمد عبد الله، ابن قرية شبرابابل بمركز المحلة الكبرى، لم ينعِ أبناءه الثلاثة فقط، بل ودّع عالمًا كاملًا كان يعيش فيه.
في كل سطر كتبه، كان واضحًا أنّه أب لم يتخيل يومًا أن يكتب أسماء أطفاله مقرونة بكلمة «رحيل»، ولا أن يطلب منهم الشفاعة وهو الذي كان يحلم أن يكبروا في كنفه.
الصور التي خلّفها الصغار صارت الآن أكثر إيلامًا من أي وصف، في إحداها يقف الأب محتضنًا طفلته أمام لافتة مدرسية كُتب عليها Welcome Back، كانت نظراته تحمل فخرًا بسيطًا وأمانًا صافيًا، بينما تقف الصغيرة إلى جواره ببراءتها المعتادة، لا تعرف أنّ الحياة قد تخبئ لها نهاية مبكرة، صورة أخرى لطفل يبتسم ممسكًا بآلة عود تكاد تكون أكبر من جسده الصغير، ضحكته تملأ المكان وكأنه يستعد ليعزف أول ألحان عمر طويل، لا أن يتحول إلى ذكرى، وفي صورة ثالثة، ملامح طفولة خالصة، عينان واسعتان وشعر منسدل على الجبين وابتسامة لا تعرف شيئًا عن الدخان أو اللهب، ثلاث ضحكات موثقة بعدسة كاميرا، توقفت فجأة داخل شقة سكنية بالجيزة.
البداية كانت ببلاغ تلقته مديرية أمن الجيزة يفيد بنشوب حريق داخل شقة بدائرة قسم إمبابة، وتحركت سيارات الإطفاء مسرعة، وصافراتها تخترق سكون المكان، فيما كانت ألسنة اللهب قد امتدت داخل الشقة، والدخان الكثيف يتصاعد ليحجب الرؤية ويخنق الأنفاس.
حاول رجال الحماية المدنية السيطرة على النيران ومنع امتدادها إلى العقارات المجاورة، ودخلوا في سباق قاسٍ مع الوقت.
وبعد جهود مضنية أُخمد الحريق، لكن المشهد في الداخل كان أقسى من أي مواجهة مع النار، عُثر على الأطفال الثلاثة وقد فارقوا الحياة متأثرين بحالات اختناق شديدة.
كشفت المعاينة عن تفحم أجزاء من محتويات الشقة، ونقل الجثامين إلى المشرحة تحت تصرف النيابة العامة التي باشرت التحقيق على الفور، وطلبت تحريات المباحث وانتداب المعمل الجنائي لبيان سبب الحريق وتحديد نقطة بدايته بدقة، مع فحص التوصيلات والأجهزة الكهربائية داخل الشقة.
الجنازة لم تكن في الجيزة بل في المحلة، عاد الصغار إلى قريتهم في الغربية داخل 3 أكفان بيضاء، واستقبلتهم البلدة بقلوب يعتصرها الألم، لم يكن المشهد مجرد وداع لـ3 أطفال، بل صدمة قرية كاملة رأت أبناءها يعودون صامتين، بعد أن كانوا يملأون المكان ضحكًا وحركة.
وفي خضم الحزن، جاء صوت التحذير، اللواء الدكتور عبد الوهاب الراعي، الخبير الأمني، أكد فى تصريحات خاصة لـ«الوطن»، أنّ كثيرًا من حرائق المنازل تبدأ من إهمال بسيط في التعامل مع الأجهزة الكهربائية، مشيرًا إلى خطورة ترك الهواتف المحمولة على الشواحن لفترات طويلة، خاصة أثناء النوم أو في غياب الرقابة.
أوضح أنّ تذبذب التيار الكهربائي قد يؤدي إلى ارتفاع حرارة البطارية أو انصهار كابل الشحن، ما يشعل حريقًا في ثوانٍ، وأنّ استخدام شواحن غير أصلية أو توصيلات متهالكة يضاعف احتمالات الخطر.
وشدد على ضرورة الصيانة الدورية للتوصيلات الكهربائية، وعدم ترك الأطفال بمفردهم في أماكن تحتوي على مصادر كهرباء مكشوفة، مؤكدًا أنّ الوعي والوقاية هما خط الدفاع الأول لحماية الأرواح.
تبقى التحقيقات مستمرة لكشف السبب النهائي، لكن الحقيقة الأشد قسوة أنّ 3 مقاعد ستظل فارغة في بيت كان يضج بالحياة، كلمات الأب ما زالت تتردد: «سامحوني إن قصرت في حقكم، فأنا لم أشبع منكم في الدنيا»، كلمات تختصر حجم الفاجعة، وتعيد التذكير بأنّ لحظة إهمال قد تغيّر مصير أسرة كاملة.
وبين نار اشتعلت فجأة، وأب يكتب لأولاده رسالة وداع، يبقى الدعاء وحده ملاذ القلوب المكسورة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك