رحلة غيّرت التاريخ، وفتحت للأرض أفقاً جديداً، وأعادت ترتيب المعاني في حياة حضارة كاملة، كانت بدايتها بين غار ثور ومسجد قباء، سار النبي محمد وصاحبه في درب الهجرة، حملت في تفاصيلها بداي مختلفة من مسيرة التاريخ، وتأسيس مرحلة غيرت شكل ما بعدها، ليبدأ الإسلام فصلاً جديداً ويبدأ التاريخ والحاضر والمستقبل بداية مختلفة.
على ذلك الطريق، لم يكن كل شيء قبل هذه الرحلة يشبه ما بعدها، بعد أن تشكلت إحدى أهم اللحظات في التاريخ الإسلامي، أعمق من بين مكة والمدينة، لتصبح بعد سنوات أعظم شاهد على حدث سيخلده التاريخ إلى الأبد طوال 14 قرناً.
وعلى الرغم من مرور أكثر من 1447 عاماً على تلك الرحلة، ظل الشوق إلى معايشة تفاصيلها حاضراً في وجدان المسلمين، تحملها أمنيات الكثيرين في السير “على خطاه”، وأن ترى أعينهم الجبال التي احتمى بها نبيهم وصاحبه، وأن يقفوا على مواقع شهدت قصصاً خالدة، وأن يعايشوا لحظات صنعت التحول الكبير في مسار الدين والحضارة والتاريخ.
شغف تحوّل اليوم إلى تجربة ميدانية متكاملة على أرض سعودية، مكنت الكثيرين من محاكاة الدرب التاريخي الذي سلكه النبي وصاحبه خلال الهجرة من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة من خلال مبادرة تتبناها الهيئة العامة للترفيه بالشراكة مع عدد من الجهات الحكومية والبرامج المرتبطة برؤية السعودية 2030، لتمنح الزوار فرصة السير “على خطاه” في مسار يمتد لنحو 470 كيلومتراً، ضمن محطات مهيأة لاستقبال ما يقارب مليون زائر خلال مدة تشغيل تصل إلى 6 أشهر.
وعبر 41 معلماً تاريخياً، من بينها 5 مواقع ارتبطت بقصص مفصلية في رحلة الهجرة، يقدم في كل منها محتوى تفاعلي يروي الحدث ويضع الزائر في سياقه الزمني والمكاني، وتوزعت على طول المسار ضمن 62 محطة، تشمل 52 استراحة خدمية تتكرر كل 5 كيلومترات، إضافة إلى 8 مخيمات فاخرة للمبيت، ومنطقة رئيسية في قباء تضم مراكز للرعاية الطبية وأكثر من 80 مطعماً ومتجراً، بما يعزز جاهزية الدرب لاستقبال أعداد كبيرة من الزوار وتقديم تجربة متكاملة.
ويمر المشاركون بمحطات تاريخية بارزة، مثل خيمة أم معبد وحكايتها الخالدة في السيرة، وموقع حادثة سراقة بن مالك التي جسدت لحظة تحول من المطاردة إلى الأمان، إضافة إلى الصعود إلى غار ثور، حيث تبدأ الرحلة، مروراً بالجحفة ووادي القاحة ووادي ريم والجثجاثة، وصولاً إلى مسجد قباء، قبل أن يختم الزائر رحلته في المسجد النبوي الشريف.
تجربة صممت بروح تعكس أسلوب السفر التقليدي في الصحراء، لتجمع الإحساس بالمسافة، والطبيعة، والخطوة أتاحت للراغبين في السير “على خطاه” خيارات متعددة للمشاركة، تشمل المشي على الأقدام، ركوب الإبل واستخدام السيارات وفق مسارات محددة، إلى جانب ورش عمل ثقافية وتجارب تفاعلية تعتمد على تقنيات الواقع المعزز في عدد من المواقع، بما يتيح للزائر تصور الأحداث التاريخية في ذات التضاريس التي شهدتها قبل قرون.
المشروع امتداداً للجهود السعودية في تنمية المناطق التاريخية والمشاعر المقدسة، والمحافظة على المواقع المرتبطة بالسيرة النبوية، وتعزيز الهوية الإسلامية عبر مشاريع تطويرية متكاملة، من بينها مشاريع توسعة وتطوير مسجد قباء والمناطق المحيطة به، إضافة إلى مبادرات تطوير المساجد التاريخية.
رحلة تحول السيرة إلى تجربة معيشة، على امتداد 470 كيلومتراً، يسير المشاركون فيها، حاملين في خطواتهم معنى الهجرة، ويستحضرون رحلة تحاكي في جوهرها البداية الكبرى، ليمشي فيها المسلمون من مكة إلى مدينة نبيهم “على خطاه”.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك