على غرار انتخاب جل رؤساء الأحزاب من طرف مؤتمراتها الوطنية العادية أو الاستثنائية، بعث الملك محمد السادس ببرقية تهنئة إلى محمد شوكي، بمناسبة انتخابه رئيسا لحزب التجمع الوطني للأحرار، حيث جاء فيها “على إثر انتخابك رئيسا لحزب التجمع الوطني للأحرار، من قبل مؤتمره الاستثنائي، يطيب لنا أن نعرب لك عن تهانئنا الحارة مقرونة بمتمنياتنا لك بكامل التوفيق في مهامك القيادية الجديدة”.
لتتضمن برقية التهنئة الملكية فقرة خاصة جديرة بالاهتمام تتمثل في ما يلي: “كما لا يفوتنا بهذه المناسبة أن نشيد بسلفك خديمنا الأرضى، السيد عزيز أخنوش، وبما بذله من جهود مطبوعة بروح المسؤولية والوطنية الصادقة، في سبيل تكريس وتعزيز الحضور السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار”.
لتعكس هذه الفقرة إلى حد كبير ترتيبا مسبقا لازاحة عزيز أخنوش من إمكانية خيار تعيينه من جديد رئيسا للحكومة مع ما كان سيطرح تكرار الإشكال السياسي الذي أحاط بإعادة تعيين الأمين العام السابق لحزب العدالة والتنمية عبد الالاه بن كيران رئيسا للحكومة لولاية ثانية بعد تصدر حزبه للانتخابات التشريعية ل2016 مما تطلب اللجوء إلى آلية البلوكاج الحكومي قبل أن يستقر الأمر على تعويضه بسعد الدين العثماني في احترام للمنهجية الديمقراطية التي سبق للوزير الأول عبد الرحمان اليوسفي أن رفعها بعد استبداله برجل الأعمال ادريس جطو وزيرا أولا.
1-عدم تجديد الولاية الثانية في العرف المخزني.
بخلاف عهد الملك الحسن الثاني الذي كان ينتقي الوزراء الأولين بشكل شخصي طبقا لمقولة كان يكررها أمام تعنت المعارضة بأنه لا يتحرج من إمكانية اختيار سائقه الخاص وزيرا في الحكومة خاصة وأن دساتير المملكة آنذاك لم تكن تنص على أي إلزام بتعيين الوزير الأول من الحزب المتصدر للانتخابات في حكومات كانت دائما ائتلافية يتم فيها عادة تعيين شخصية محايدة كرجل الاعمال كريم العمراني أو زير الخارجية عبد اللطيف الفلالي أو تعيين عز الدين العراقي وزيرا أولا بعد انفصاله عن حزب الاستقلال.
لذا، ففي إطار التهييء لانتقال سلس للعرش، ضمن للكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية المعارض عبدالرحمان اليوسفي أغلبية تمكنه من ترؤس الحكومة، ليتم بعد رحيل الملك الحسن الثاني، إزاحته من منصبه على الرغم من تصدر حزبه لانتخابات 2002.
وعلى نفس الغرار، وحتى بعد إصدار دستور فاتح يوليوز 2011 الذي تضمن مقتضيات تحيل على تعيين الملك لرئيس الحزب المتصدر للانتخابات رئيسا للحكومة، فإنه لم يتم تجديد رئاسة بن كيران للحكومة على الرغم من تصدر حزبه لانتخابات 2016، حيث تمت إزاحته من خلال آلية البلوكاج الحكومي الذي ساهم فيها عزيز أخنوش كوزير فلاحة في حكومة بن كيران، والذي حافظ على منصبه في حكومة سعد الدين العثماني.
لتتهيأ له ظروف رئاسة حزب التجمع الوطني للأحرار الذي ساهم بشكل كبير، نظرا لشبكة علاقاته السياسية والاقتصادية والإعلامية، في تطوير الحزب ليتصدر انتخابات 2021 التي مني فيها حزب العدالة والتنمية بنكسة انتخابية مدوية ومهينة.
لكن يبدو أنه على الرغم من بعض منجزات حكومة أخنوش وأسلوبه المقاولاتي في تسيير العمل الحكومي من خلال انتقاء كفاءات تدور في فلكه، فقد تعرض لعدة انتقادات تهم بالأساس الارتفاع المستفحل لأسعار المواد الغذائية في المغرب التي عرفت ارتفاعا مطردا وذلك منذ جائحة كورونا لتزداد وتيرتها بعد اندلاع الحرب الروسية على أوكرانيا.
لكن استفحال هذه الأزمة تفجر، بعد أن انتقل هذا الغلاء ليشمل الخضر والفواكه واللحوم والدواجن، والتي أصبحت تمس في العمق مخرجات المخطط الأخضر الذي أشرف عليه رئيس الحكومة الحالي السيد عزيز أخنوش، شخصيا حين كان يشغل مهمة وزير الفلاحة في الحكومات السابقة.
ولعل مما زاد من احتدام هذه الأزمة هو المفارقة بين سوق محلي ترتفع فيه أسعار الخضر والفواكه واللحوم والدواجن بشكل غير مسبوق، وبين سوق أوروبية وإفريقية وخليجية وروسية تضج بالمنتجات المغربية المصدرة إليها.
ليتم اتهام حكومة أخنوش، بكونها تساند شريحة من الوسطاء التي تصدر هذه المنتجات للرفع من الاحتياطات النقدية والزيادة في الموارد الضريبية مما أصبح يهدد السوق الوطني بالندرة وقلة العرض، والتسبب في التهاب الأسعار والإجهاز على القدرة الشرائية لأوسع الشرائح الشعبية مما يعرض السلم الاجتماعي للتهديد جراء تزايد السخط الشعبي.
ولعل مما زاد من حدة الانتقادات الموجهة إلى رئيس الحكومة هو القرار الملكي بعدم ذبح الاضاحي خلال سنة 2025 بعد تراجع أعداد القطيع وعدم نجاعة إجراءات الدعم في الحد من ارتفاع أسعار اللحوم التي أثرت على القدرة الشرائية لأوسع الفئات الشعبية بما فيها الطبقات المتوسطة.
وبالاضافة إلى ما وجه لرئيس الحكومة شخصيا من تهم تتعلق بتضارب المصالح بما فيها أسعار المحروقات، و صفقة محطة تحلية مياه البحر بالدارالبيضاء.
وقد شكلت احتجاجات جيل زد، قبيل تنظيم كأس افريقيا بالمملكة بشهرين، و التي اندلعت في عدة مدن حيث انطلقت شرارتها من مستشفى بمدينة أكادير التي يرأس جماعتها رئيس الحكومة ورئيس حزب التجمع الوطني للأحرار عزيز أخنوش وما تخللها من أحداث، ضربة قوية لرئيس الحكومة خاصة بعدما طالبت هذه الاحتجاجات ليس فقط بإصلاح قطاعي الصحة والتعليم بل أيضا بإقالة حكومة أخنوش.
2-الإقالة المتدرجة لرئيس الحكومة عزيز أخنوش.
على الرغم من كل الاضطرابات التي عرفتها الحياة السياسية والتي كان من أبرزها حراك جيل زيد، فقد احتدم التنافس بين مكونات الائتلاف الحكومي خاصة بين حزبي التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة اللذان يعتبران الأكثر قدرة على تصدر المشهد السياسي التي ستفرزه انتخابات 2026، خاصة مع تقارب عدد المقاعد بينهما: فحزب التجمع الوطني للاحرار المتصدر للحكومة ما زال يراهن على “مسار التنمية” الذي تم إعداده بعد جولات تواصلية في مختلف المدن لإعادة الثقة في العمل السياسي، واستقطاب الكفاءات والطاقات استعدادًا للمحطات الانتخابية المقبلة، حيث يتطلع هذا الحزب إلى مواصلة تصدر المشهد السياسي خلال الاستحقاقات القادمة، اعتمادًا على ما يعتبرها “إنجازات غير مسبوقة” في سجل العمل الحكومي.
إذ يحرص قادة التجمع في مختلف اللقاءات التواصلية على الدفاع عن الأداء والنجاعة والقدرة التي أبان عنها الحزب خلال هذه الولاية الحكومية التي يقودها عزيز أخنوش، بـ”اقتدار”، رغم التداعيات السلبية لكورونا، والحرب الاكرانية الروسية وتوالي سنوات الجفاف.
وهكذا عبّر رئيس مجلس النواب الطالبي العلمي عن قناعته ببقاء حزب التجمع الوطني للأحرار في السلطة لولاية أخرى، مشددًا على أن “المواطن يفرّق بين من يبحث عن مقعد لممارسة السلطة وبين من يبحث عن مقعد من أجل استغلاله لخدمة التنمية”.
في حين دافع أخنوش عن سجله على رأس الحكومة، مسلطا الضوء على الانتعاش الاقتصادي الذي أعقب جائحة كوفيد، والدفع ببرامج اجتماعية من بينها توسيع التغطية الطبية وتقديم مساعدات مباشرة للأسر المتواضعة، فضلا عن تحقيق نمو مستقر على الرغم من فترة الجفاف الطويلة.
معبرا عن ذلك في لقاء تلفزي جمع بين صحفيين من القناة الأولى والثانية.
كما كان يعمل جاهداً من أجل أن يتبوّأ التشريعيات المقبلة ويعود رئيساً للحكومة.
حيث أنه ترأس، في زيارات متواترة إلى عدة أقاليم بالمملكة البلاد تجمعات حزبية دافع فيها.
وبالتالي، فإن إعلان رئيس الحكومة عزيز أخنوش بأنه لن يترشح مجددا لرئاسة حزبه بشكل فاجأ حتى أعضاء المكتب السياسي للحزب بالإضافة إلى مكونات المشهد السياسي، قد أتى على عكس المنطق الذي كان يعمل به إلى حدود يوم إعلان انسحابه، بل كانت الساعات القليلة، لا تشي بذلك بتاتاً.
حيث أن الرجل القوي في الحزب والحكومة ترأّس المجلس الوطني لحزبه في أفق الاستعداد للمؤتمر، ولم يصدر عنه وقتها ما يفيد بأنه ينوي مغادرة المشهدَين الحزبي والسياسي.
والأكثر من ذلك، كان الحديث متواتراً عن التمديد له على رأس الحزب إلى ما بعد الانتخابات التشريعية المقبلة، حتى يخوض المعركة في ظروف حزبية مناسبة.
مما جعل هذا القرار الذي اتخذه عزيز أخنوش كان بمثابة إقالة تدريجية لرئيس الحكومة إذ أن عدم الترشح لرئاسة الحزب يبعده عمليا عن رئاسة الحكومة بعد الانتخابات البرلمانية المقررة في خريف 2026.
إذ يمكن إرجاع هذه الإقالة التدريجية التي حولت رئيس الحكومة إلى رئيس حكومة تصريف الأعمال حيث ظهرت مؤشرات ذلك من خلال عدم حضور عزيز أخنوش في جلسة العمل التي ترأسها الملك بالقصر الملكي بالدار البيضاء التي خصصت لمتابعة مشروع ميناء الناضور والتي سبقها عدم حضوره لمراسيم توقيع انضمام المغرب إلى مجلس السلام بدافوس رغم تواجده هناك.
ولعل ما دفع بهذه الإقالة المتدرجة نهجه السياسي المتمثل في ميله إلى الاستفراد بالأغلبية، وطغيان صورة تضارب المصالح بين السياسة والاقتصاد، والميل إلى تكوين فريق ذاتي أكثر منه فريقاً حكومياً في تعيينات مهمّة، لا سيّما ما له منها علاقة بالدولة الاجتماعية كما يريدها العاهل المغربي.
بالإضافة إلى بعض التصريحات التي اعتُبرت استفزازيةً، التي لم تستثنِ اللمز في محيط الملك نفسه بخصوص التعيينات التي تهمّ مؤسّسات دستورية.
بالإضافة إلى الصراع (الصامت أحياناً والظاهر أحياناً أخرى) مع وزارة الداخلية والتي عبر عنها بشكل مباشر محمد أوجار، علاوة على بعض تصريحاته بأنه حقق في الجبايات ما لم يتحقّق منذ 50 سنة، وحقّق في الاستثمارات في خمس سنوات ما لم يتحقّق في 26 سنة، وهي الفترة التي تتزامن مع حكم الملك محمد السادس.
إلى جانب تعامله بشكل شخصي مع تداعيات الاحتجاجات الشبابية التي هزّت البلاد مع “جيل زد”، حيث لم يغفل المحللون أن رئيس الحكومة اعتبر الأمر شخصياً، وتعبّأ لذلك كما لو أنه الوحيد في المشهد.
في حين كان تعامل المؤسّسة الملكية قوياً ومتجاوباً مع هذه الاحتجاجات التي طالبت بالصحّة والتعليم ومحاربة الفساد.
ولعل كل هذه السلوكات قد حركت بلا شك غضب شخصيات في أعلى هرم الدولة ومربع القرار الملكي لتهيأ ملابسات رحيل عزيز أخنوش من الساحة السياسية بشكل تدريجي من خلال إزاحته من على رأس الحزب التي اتخذت شكل استقالة قبل أوانها.
فهي المرة الأولى من نوعها في المغرب، التي يعلن فيها رئيس حكومة عدم العودة إلى الحياة الحزبية، وما زال يفصله عن الرحيل الرسمي قرابة سنة، و المرة الأولى التي ينسحب فيها رئيس حزب، بالرغم من قناعته بأنه سيعود ليقود حكومة ثانية.
وعلى العموم، فلن تقف متغيّرات انتخابات 2026 فقط عند قرار أخنوش عدم الترشّح لقيادة حزبه، فهناك عدة تحديات تواجه المملكة تتمثل بالخصوص في الرفع من التأهيل الترابي، ببعد استراتيجي يتجاوز الزمن الانتخابي والزمن السياسي الذي ظلّ يتحكّم في خطاب رئيس الحكومة، والانتقال من نهاية دبلوماسية لملفّ “الصحراء” إلى هندسة سياسية للحكم الذاتي.
في حين كانت الانتخابات إلى حدود الآن رهانات سياسية داخلية، وبنُخب لا تكون في الغالب ذات مشاريع وهُويّات سياسية ذات إدراك لرهانات الدولة الجديدة التي تتراءى في الأفق، ، بالإضافة إلى إفراز حكومة المونديال التي ستشرف على الاعداد المسبق لتنظيم تظاهرة كأس العالم في كرة القدم (2030) بما يتطلب ذلك من بنيات اقتصادية ورياضية ولوجستية واستقبالية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك