وكالة سبوتنيك - روسيا تبدأ تطوير نظام اختبار "ساركوبينيا" العربية نت - "السعودي الألماني الصحية" تستهدف تحويل مستشفياتها إلى "تعليمية" العربية نت - تشغيل سيارات الأجرة ذاتية القيادة من "وايمو" في 4 مدن أميركية جديدة روسيا اليوم - مصرع عدد من المصريين واختفاء آخرين جراء غرق مركب في البحر الشرق للأخبار - الشرطة الإيطالية تمنع مشجعي دورتموند من حضور مباراة أتالانتا روسيا اليوم - وزارة الدفاع العراقية تنعى 8 من مقاتليها إثر حادث العربي الجديد - أوامر لجنود إسرائيليين عدم طلب البيتزا خشية كشف هجوم محتمل ضد إيران العربية نت - خسائر قوية بأكثر من 3% لمؤشر البورصة المصرية "EGX 30" سكاي نيوز عربية - قرار "عاجل" من برشلونة بشأن حمزة عبد الكريم فرانس 24 - ميرتس يدعو إلى علاقة أكثر "إنصافا" مع الصين وشي يأمل بارتقائها إلى "مستويات جديدة"
عامة

الوباء الأشد خطرا… انتعاش مهنة التملق والتطبيل

العمق المغربي
العمق المغربي منذ 1 أسبوع

لم يعد التملق والتطبيل سلوكًا معزولًا أو انحرافًا فرديًا عابرًا، بل تحوّل في مجتمعاتنا إلى منظومة كاملة، لها أدواتها، وسماسرتها، ومنصاتها، وحماتها. منظومة تُسوّق الرداءة، وتكافئ الكذب، وتُعاقب الصدق، ...

ملخص مرصد
التملق والتطبيل تحولا من سلوك فردي إلى منظومة متكاملة تُسوّق الرداءة وتكافئ الكذب، مستغلة منصات التواصل الاجتماعي لنشر خطاب علني يدافع عن المصالح الشخصية على حساب الحقيقة والكرامة العامة.
  • التملق تحول من سلوك خجول إلى مهنة علنية تُمارس للحصول على امتيازات وقرب من السلطة.
  • منصات التواصل الاجتماعي حولت المتملقين إلى جيوش صاخبة تهاجم النقد وتزيف الحقائق بلا خجل.
  • التملق يقتل الكفاءة ويُفرغ المؤسسات من معناها، محولاً الرداءة إلى معيار والولاء الأعمى إلى فضيلة.
من: المتملقون والمطبلون في المجتمعات العربية أين: المجتمعات العربية ومنصات التواصل الاجتماعي متى: خلال العقد الماضي مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي

لم يعد التملق والتطبيل سلوكًا معزولًا أو انحرافًا فرديًا عابرًا، بل تحوّل في مجتمعاتنا إلى منظومة كاملة، لها أدواتها، وسماسرتها، ومنصاتها، وحماتها.

منظومة تُسوّق الرداءة، وتكافئ الكذب، وتُعاقب الصدق، وتعتبر الصمت حكمة، والنقد وقاحة، والمطالبة بالحق جريمة أخلاقية.

وربما قد تحصل على تذكرة دخول البورصة من بابها الواسع.

في زمن اختلاط الأدوار، لم يعد التملق مجرد انحناءة أمام مسؤول، بل صار خطابًا عامًا، يُنتج ويُعاد إنتاجه يوميًا، خاصة بعد أن فتحت منصات التواصل الاجتماعي أبوابها على مصراعيها، دون حراسة معرفية أو أخلاقية.

فجأة، صار الجميع مراسلين، وصحفيين، وحقوقيين، وخبراء في كل شيء، يعرفون في كل شيء، ولا يتقنون شيئًا.

المتملق اليوم لا يسعى فقط إلى رضا عابر، بل إلى استثمار طويل الأمد.

خدمة، صفقة، امتياز، منصب، أو حتى مجرد اقتراب من دائرة الضوء.

ولتحقيق ذلك، لا يتردد في تزوير الوقائع، وتلميع الأخطاء، وتبرير الفشل، وتحويل الإخفاقات إلى إنجازات غير مفهومة من العامة.

الأخطر أن هذا التملق لم يعد يُمارس في الخفاء أو الكواليس فقط، بل يُبث الآن علنًا: تدوينات، فيديوهات، بث مباشر، مقالات مأجورة، شهادات زائفة، وبلاغات ولاء، تُغلف كلها بشعارات الوطنية، أو الدفاع عن الاستقرار، أو حماية المؤسسات.

بينما الحقيقة واحدة: الدفاع عن المصلحة الشخصية ولو على حساب الحقيقة والكرامة العامة.

منصات التواصل: الحاضنة الجديدة للتملق والتطبيل.

لقد منح العصر الرقمي لرواد التملق والتطبيل أجنحة.

صار المتملق صاخبًا، عدوانيًا، يُهاجم كل صوت نقدي، ويُخوّن كل معارض، ويُخوّف كل متردد.

لا يملك معطيات، لكنه يملك يقينًا زائفًا.

لا يملك مشروعا، لكنه يملك رواية جاهزة.

هنا بالضبط، تتحول منصات التواصل من فضاءات للتعبير، إلى أسواق للتطبيل، حيث يُقاس الولاء بعدد الإعجابات، ويُمنح الصدق علامة الرسوب، وتُوزع الأوسمة على أكثرهم قدرة على التزييف والصراخ.

التملق يقتل الكفاءة… ويُفرغ المؤسسات.

عندما يصبح التملق طريقًا مختصرًا للترقي، تُقصى الكفاءات، ويُهمش الشرفاء، وتتحول المؤسسات إلى هياكل خاوية.

لا مكان للاجتهاد، ولا قيمة للاستحقاق، ولا معنى للمسؤولية.

يصبح المسؤول محاطًا بجوقة تصفق، لا بمرآة تُصحح.

في هذا المناخ، يُصاب القرار العمومي بالعمى، وتُشل آليات المحاسبة، ويُعاد إنتاج الفشل باسم الاستمرارية، وتُقدَّم الرداءة على أنها اختيار واقعي.

حيث نجد (التلميذ المتملق، العامل والموظف المتملق، السياسي المتملق، …).

الوباء لا يميز بين فئة وأخرى.

يبدأ من الفصل الدراسي، حيث يُكافأ التلميذ المتملق بنقطة لا يستحقها، ويمر عبر الإدارة، حيث يُرقّى الموظف الأكثر خنوعًا، ويصل إلى السياسة، حيث يُصنع “الزعيم” من خطاب الولاء لا من مشروع الإصلاح.

وحين يصبح التملق ثقافة سائدة، يُستبدل النضال بالتزلف، والحق بالصدقة، والمطالبة المشروعة بالتوسل المهين.

من التملق إلى التملص: تحالف الفساد الصامت.

أخطر ما في التملق أنه لا يقف عند حدوده، بل يُنتج وباءً ثانيًا: التملص من المسؤولية.

فالمسؤول الذي يُحاط بمتملقين، يدرك أنهم فاقدو الشرعية الأخلاقية لمحاسبته.

وهكذا ينشأ تحالف صامت: هذا يصفق، وذاك يُهمل، والنتيجة خراب بارد، بلا ضجيج.

فالتملق ليس ذكاء، بل مرض أخلاقي.

وحين يصل الإنسان إلى درجة استجداء حقوقه، والتوسل لما هو مفروض قانونًا، فاعلم أننا أمام انهيار في منظومة القيم، لا مجرد سلوك فردي.

المتملق لا يصلح لبناء، ولا لإصلاح، لأنه تنازل مسبقًا عن كرامته، ومن تنازل عن كرامته لا يمكن أن يحمي كرامة وطن.

التملق ليس قدَرًا، لكنه مؤشر خطر.

وكلما انتشر، دلّ على اختلال عميق في العلاقة بين المواطن والمؤسسة، بين المسؤول والمساءلة، بين السلطة والأخلاق.

ومجتمع لا يُحصّن نفسه ضد هذا الوباء، لا يحتاج إلى أعداء… لأنه يهدم ذاته بذاته.

والوقاية الحقيقية ليست في إسكات المتملقين فقط، بل في إعادة الاعتبار للنقد، وحماية الأصوات الصادقة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، والحق بالكرامة.

من التملق من أجل التألق إلى التطبيل من أجل البقاء.

حين كتبتُ قبل عشر سنوات مقالة بعنوان «التملق من أجل التألق»، تجدونها في كتابي الأول (رسائل سياسية) الصادر شهر نونبر 2017.

كما تجدونها في موقع البحث (غوغل).

كان حينها التملق سلوكًا فرديًا يُمارَس بحشمة وخجل في الخفاء، أو في أماكن ضيقة تحكمه الحاجة والخوف، ويُسوَّق باعتباره حيلة ظرفية للتموقع أو العبور أو كسب ثقة المعني بالتملق.

لم يكن بعدُ قد تحوّل إلى خطاب علني، ولا إلى مهنة قائمة بذاتها، ولا إلى سلعة تُروَّج في الأسواق الرقمية.

اليوم.

وبعد عقد من الزمن، لم يعد التملق يبحث عن التألق، بل عن البقاء؛ بقاء داخل دائرة الامتياز، وبقاء قرب السلطة، وبقاء في مأدبة الريع والضوء.

تطوّر التملق إلى تطبيل صاخب، لا يكتفي بتزييف الواقع، بل يُحارب الحقيقة، ويُجرّم النقد، ويُخوّن السؤال.

ومع انفجار منصات التواصل الاجتماعي، خرج المتملق من المكاتب المغلقة إلى الفضاء العام، متقمصًا أدوار الصحفي والحقوقي والخبير، مسلحًا باليقين الزائف، ومتحررًا من أي ضابط أخلاقي أو معرفي.

هكذا انتقلنا من تملق خجول يُمارَس طلبًا للرضا، إلى تطبيل وقح يُمارَس دفاعًا عن مصالح شخصية، ومن سلوك معيب إلى منظومة تدميرية تُفرغ المؤسسات من معناها، وتقتل الكفاءة، وتحوّل الرداءة إلى معيار، والولاء الأعمى إلى فضيلة.

وما لم تتم مواجهة هذا الانحراف مواجهة فكرية وأخلاقية صريحة، فإن أخطر ما سنخسره ليس فقط نزاهة النقاش العمومي، بل حق المجتمع في الحقيقة، وحق الوطن في النقد، وحق الأجيال القادمة في دولة لا تُدار بالتصفيق.

لم يعد التملق سلوكًا عابرًا ولا انحرافًا ظرفيًا، بل صار مهنة من لا مهنة له.

مهنة بلا تكوين، بلا كفاءة، بلا اجتهاد، لكنها مربحة وسريعة العائد.

يمارسها من عجز عن إثبات ذاته بالعمل، فاختار أن يثبت وجوده بالصوت العالي، وبالاصطفاف الأعمى، وبالتطبيل لكل قرار ولو كان كارثيًا.

متملقون بلا رصيد مهني، بلا تاريخ نضالي، بلا إنتاج فكري، وجدوا في التزلف مورد رزق، وفي تشويه الحقائق وظيفة يومية، وفي مهاجمة الأصوات الحرة وسيلة للبقاء داخل المشهد.

هكذا تحوّل التملق إلى حرفة رديئة تُمارَس أمام العلن، يُكافأ أصحابها بالحظوة والامتياز، بينما يُقصى أصحاب الكفاءة لأنهم يرفضون بيع ضمائرهم أو استئجار أصواتهم.

حين كنا نكتب في عالم الصحافة عن تجاوز أو فساد، في مقال خبري، أو تحقيق ميداني، أو حتى في مقالة رأي، كنا نصطدم بردود محسوبة تصدر عن مرتزقة أقلام من بعض المنابر.

كانوا يردّون بخجل، يختبئون خلف مقالات عادية المظهر، محايدة العناوين، ناعمة اللغة، لكنها في العمق تسوّق إيجابًا لمن هو متورط في ذلك التجاوز أو الفساد.

كان التواطؤ موجودًا، نعم، لكن كان له حدّ أدنى من الحياء المهني، وكان الكذب يُغلَّف، لا يُصرخ به، ويُموَّه، لا يُجاهر به.

أما اليوم، فقد تغيّر المشهد جذريًا.

لم نعد نواجه أقلامًا مرتزقة متخفية، بل جيوشًا من المطبلين والمتملقين، يهاجمون دفعة واحدة، وباللغة نفسها، وبالمنطق نفسه، وبالوقاحة نفسها.

لا يناقشون الوقائع، ولا يدحضون المعطيات، بل يكذبون الحقائق كذبًا فجًّا، وهم يعلمون أنهم يكذبون، ويعلمون أن الجميع يعلم بكذبهم، ومع ذلك يستمرون و يستمرون.

لأن الكذب صار مدفوع الأجر، ولأن التطبيل بات وظيفة، ولأن تسويق الأكاذيب يفتح أبواب المال، والخدمات غير المستحقة، وربما امتيازات أخرى لا يعلم تفاصيلها إلا من يدفع ومن يُطبّل له.

هنا لم نعد أمام خلاف صحفي أو اختلاف تأويل، بل أمام انهيار أخلاقي كامل، حيث يُمارس الكذب بلا خجل، ويُستثمر فيه بلا خوف، ويُدافع عنه بلا أي إحساس بالعار أو المساءلة… إنه وباء العصر الأشد خطرا على الوطن وعلى المواطنين.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك