يشهد المغرب في السنوات الأخيرة مرحلة دقيقة ومفصلية من تاريخه التنموي، تتقاطع فيها طموحات الإصلاح العميق مع إكراهات داخلية وضغوط خارجية متسارعة، فرضتها التحولات الاقتصادية العالمية، والتغيرات المناخية، والتطورات الجيوسياسية، إلى جانب الانتظارات الاجتماعية المتزايدة.
وقد أفرز هذا السياق واقعًا جديدًا جعل من مسألة النموذج التنموي محورًا أساسيًا للنقاش العمومي، باعتباره الإطار الناظم لمسار التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بالمملكة.
وفي هذا الإطار، يشهد المغرب دينامية متجددة على مختلف المستويات، تعكس انتقاله التدريجي نحو ترسيخ نموذج تنموي أكثر شمولية وواقعية، قادر على التفاعل مع التحولات الوطنية والدولية.
وقد تعززت هذه الدينامية بشكل ملحوظ بعد القرار الأممي الأخير، الذي كرّس مرة أخرى وجاهة المقاربة المغربية في تدبير قضية الصحراء، وأكد مصداقية المبادرة المغربية للحكم الذاتي باعتبارها حلًا جديًا وذا مصداقية.
وأسهم هذا المعطى في تعزيز مناخ الاستقرار السياسي والمؤسساتي، وترسيخ صورة المغرب كدولة مستقرة وموثوقة، وهو ما يشكل عنصرًا حاسمًا في دعم التنمية وجلب الاستثمار وتعزيز الجاذبية السياحية.
وعلى الرغم من الجهود الكبيرة التي بذلها المغرب خلال العقود الماضية، خاصة من خلال إطلاق مشاريع كبرى في مجالات البنية التحتية، مثل الطرق السيارة والموانئ والمطارات، وتحسين مناخ الاستثمار، وتنويع النسيج الاقتصادي، فإن هذه الدينامية لم تُفضِ دائمًا إلى تحولات بنيوية عميقة قادرة على الحد من الفوارق الاجتماعية والمجالية أو ضمان توزيع عادل لثمار النمو.
إذ ظل الأثر الاجتماعي للنمو الاقتصادي محدودًا، وهو ما يتجلى في استمرار معدلات البطالة، خاصة في صفوف الشباب وحاملي الشهادات، وتزايد هشاشة الطبقة المتوسطة، واتساع رقعة الفقر في بعض المناطق القروية وشبه الحضرية.
وقد أكدت الخطب الملكية في أكثر من مناسبة على محدودية النموذج التنموي المعتمد، داعية إلى ضرورة بلورة نموذج جديد يقوم على العدالة الاجتماعية، وتكافؤ الفرص، والنجاعة الاقتصادية، ويجعل من الرأسمال البشري محورًا أساسيا للتنمية.
كما شددت هذه التوجيهات على أهمية إعادة الاعتبار للثقة بين المواطن والمؤسسات، باعتبارها شرطًا جوهريًا لإنجاح أي إصلاح تنموي، وهو ما يفرض تجاوز منطق التدخلات القطاعية المعزولة نحو سياسات عمومية مندمجة وفعالة.
سياسيًا، راكم المغرب تجربة إصلاحية مهمة منذ اعتماد دستور 2011، الذي أسس لمجموعة من المبادئ المرتبطة بالحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتوسيع مجال الحقوق والحريات.
غير أن الممارسة السياسية كشفت عن استمرار عدد من الاختلالات، من أبرزها ضعف النجاعة المؤسساتية، ومحدودية أداء بعض الفاعلين السياسيين، وتراجع منسوب الثقة في العمل الحزبي والانتخابي، وهو ما يؤثر بشكل مباشر على فعالية السياسات العمومية وعلى قدرة الدولة على تعبئة المواطنين حول المشاريع التنموية الكبرى.
اقتصاديًا، يواجه المغرب تحديات متزايدة في ظل تقلبات الاقتصاد العالمي وارتفاع كلفة المعيشة وتأثيرات التضخم، ما يفرض ضرورة الانتقال نحو اقتصاد منتج، قائم على الابتكار، ودعم المقاولة الوطنية، وتثمين الكفاءات المحلية.
وفي هذا السياق، تبرز الأوراش الكبرى المرتبطة بالأمن المائي، وعلى رأسها مشاريع السدود، والربط بين الأحواض المائية، وتحلية مياه البحر، كخيار استراتيجي لمواجهة ندرة المياه وتوالي سنوات الجفاف، وضمان استدامة الموارد الطبيعية.
وفي موازاة ذلك، يشكل تطوير شبكة الطرق السيارة والبنيات التحتية اللوجستية ركيزة أساسية لتحقيق العدالة المجالية، وربط الجهات، وتسهيل تنقل الأشخاص والبضائع، بما ينعكس إيجابًا على الاستثمار والسياحة والتنمية المحلية.
وقد ساهم هذا التطور البنيوي في تعزيز مكانة المغرب كمنصة اقتصادية ولوجستية إقليمية.
وفي هذا الإطار العام، عرفت السياحة المغربية خلال الفترة الأخيرة انتعاشًا ملحوظًا، مستفيدة من تحسن صورة المغرب دوليًا، واستقراره الأمني، وتنوع عرضه السياحي.
فقد أصبح المغرب وجهة مفضلة لملايين السياح بفضل مؤهلاته الطبيعية، وتاريخه العريق، وبنيته التحتية المتطورة، إضافة إلى التظاهرات الدولية والرياضية الكبرى، والانفتاح الدبلوماسي، ما جعل القطاع السياحي رافعة حقيقية للنمو الاقتصادي ومصدرًا مهمًا لفرص الشغل، خاصة لفائدة الشباب.
ويواكب هذا الانتعاش السياحي اهتمام متزايد بالجانب الثقافي باعتباره مكونًا أساسيًا من مكونات التنمية المستدامة.
فالمغرب يزخر برصيد ثقافي غني ومتعدد الروافد، يشكل عنصر قوة ناعمة يعزز إشعاعه الدولي.
وقد تم إطلاق مجموعة من المشاريع الرامية إلى تثمين المدن العتيقة، وصيانة المآثر التاريخية، ودعم الصناعات الثقافية والإبداعية، وتنظيم مهرجانات فنية وثقافية، تساهم في تنشيط الاقتصاد المحلي وترسيخ الهوية الوطنية.
أما على المستوى الاجتماعي، فقد عرف المغرب إصلاحات مهمة، خاصة في مجال الحماية الاجتماعية، من خلال تعميم التغطية الصحية وإطلاق برامج للدعم الاجتماعي المباشر.
كما أصبح إصلاح منظومة التعليم أولوية وطنية، بالنظر إلى دورها المحوري في إعداد أجيال قادرة على مواكبة التحولات الاقتصادية والتكنولوجية، حيث يبرز مشروع “مدارس الريادة” كنموذج جديد يروم تحسين جودة التعلمات وتقليص الفوارق.
ويتكامل هذا الورش مع إصلاح قطاع الصحة، الذي عرف تحولات بنيوية تهدف إلى تحسين الولوج وجودة الخدمات وتعزيز الموارد البشرية.
وفي المجال الرياضي، برزت الرياضة، وخاصة كرة القدم، كرافعة حقيقية للتنمية والإشعاع الدولي، بعد الإنجازات التاريخية التي حققها المنتخب الوطني، والتي ساهمت في تعزيز صورة المغرب عالميًا، وإبراز دور الرياضة في إدماج الشباب وبناء القيم الجماعية.
كما يشكل استعداد المغرب لاحتضان تظاهرات رياضية كبرى فرصة لتعزيز البنية التحتية وتحفيز الاقتصاد الوطني.
ولا يمكن الحديث عن التنمية دون التوقف عند قضايا الشباب، التي تمثل رهانًا استراتيجيًا لمغرب اليوم، باعتبارهم طاقة حقيقية للتغيير والإبداع.
غير أن تحديات البطالة وضعف الإدماج الاقتصادي والاجتماعي ما تزال قائمة، وهو ما يستدعي سياسات عمومية أكثر نجاعة، قادرة على تمكين الشباب من فرص حقيقية للمشاركة في التنمية.
وخلاصة القول، فإن تفاعل المغرب مع المستجدات الدولية، وتعزيز موقعه الدبلوماسي، وانتعاش قطاع السياحة، وتثمين البعد الثقافي، إلى جانب تنزيل الأوراش الاقتصادية والاجتماعية الكبرى، كلها عناصر تؤكد أن النموذج التنموي المغربي يتجه نحو مزيد من التوازن بين الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
ويبقى التحدي الأساسي هو ضمان استمرارية هذه الدينامية، وتحويل المكتسبات إلى تنمية ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية، بما يعزز الثقة ويكرس مسار التنمية الشاملة والمستدامة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك