في حوار قريب للدكتور محمود محيي الدين الخبير الدولي في الاقتصاد والمدير التنفيذي للبنك الدولي، أكد فيه على ارتفاع معدلات التضخم ومن ثم ارتفاع معدلات الفقر في مصر عما كانت عليه في السابق وهي 32,4٪.
وحسب قوله: الفقر زاد شوية أو شويتين.
إلى هنا أكاد اتفق معه تمامًا.
لكنني أختلف معه حين قال: إن الحل هو زيادة الضخ في مبادرة حياة كريمة، فرغم أهمية هذه المبادرة الوطنية وتأثيرها الفعال في قرى الريف المصري، لكنها في مجملها خطوة مهمة على طريق الاصلاح الريفي، وتيسير الحياة على أهل الريف.
لكن معضلة الفقر لن تُحَل بهذه المبادرة وحدها مهما بلغت أهميتها ومهما كان تأثيرها.
فالحل الناجز لتلك المعضلة المتوارَثة يكون بغلق الحنفية التي تضخ الفقراء إلى شوارع الفقر مفتوحة النهايات، من خلال زيادة معدلات النمو الاقتصادي بشكل يتجاوز أضعاف الـ 5 % التي سجلها النمو الاقتصادي بنهاية 2025، والذي يترتب عليه زيادة الناتج الاجمالي المحلي، الذي يجب أن ينعكس بوضوحٍ في زيادة نصيب الفرد من الناتج المحلي والدخل القومي.
والذي يجب أن ينعكس أيضًا في زيادة حقيقية وليست وهمية في دخله الأساسي.
هذا بالإضافة إلى تخفيض حجم الديون الخارجية والتي تجاوزت 161 مليار دولار، وتراجع معدل الاستدانة مع رفع معدلات النمو الصناعي التي هي الضامن الأهم في زيادة الناتج المحلي، ولن يتأتى ذلك إلا من خلال العمل على تحسين البنية التحتية وتشجيع الاستثمارات المحلية والأجنبية، ودعم الابتكار والتكنولوجيا في القطاعات الصناعية، ومحاربة الفساد الإداري بشتى صوره وأشكاله ـ مع العمل على تتبع معدلات النمو في هذا القطاع بشكل سنوي.
حتى يمكننا رصد التحديات أول بأول والعمل على مواجهتها بشكل عاجل.
فعلى ما أعتقد أن معدل النمو الصناعي من نهاية الستينيات وحتى تاريخه يتأرجح ما بين 9% إلى 11 % وهذا أمر يستوجب إعادة النظر بشكل كامل في سياسات الصناعة والتصنيع في مصر، حتى نتمكن من تحقيق معدلات عالية في النمو الاقتصادي؛ تمكننا من غلق الحنفية المصدرة للفقراء متعددة الروافد ومفتوحة النهايات.
وعلى الجانب الأخر يتبقى الفقراء الحاليين والذين تزيد نسبتهم عن 32 ٪، فالحل العاجل هو زيادة قيمة الدعم النقدي المشروط بالتوازي طبعا مع الدعم العيني، وأي محاولة لإلغاء الدعم العيني أو استبداله بالدعم النقدي ربما تقضي إلى كارثة لا يحمد عقباها.
على أن يكون الدعم مقرونًا بتسهيلات حقيقية ونظام متابعة فعال لمَنح الفقراء مشروعات انتاجية متناهية الصغر، تتفق مع الاحتياجات الفعلية للسوق المصري المحلي على وجه التحديد، بحيث لا تزيد مدة الدعم النقدي للأسرة الواحدة عن خمس سنوات ولا يقل الدعم عن ٣ سنوات، ويكون بانتظام دون توقف مع برامج متابعة وتقييم مستمرة.
وبالنهاية فإن هناك فارق كبير بين سياسات الحد من الفقر وبرامج الحد من تداعياته.
فالتعامل مع العرض دون المرض مهما بلغت فعاليته لن يمنع المرض من التمدد والانتشار.
وعلى آية حال فإنني أعتقد أن التحول من الدعم العيني إلى الدعم النقدي مسألة في غاية التعقيد، وربما تحتاج إلى مزيد من دراسات تقدير الموقف.
كما أتصور أن ثقافة الفقراء لن تتقبل هذا التحول ببساطة، وأن البنية الاجتماعية في مصر الآن غير مؤهلة ثقافيا أو اجتماعيًا لقبول الدعم النقدي كبديل للدعم العيني، وقد تحتاج هذه القطاعات الغفيرة من الفقراء إلى تأهيل وعلى مراحل قد تمتد إلى عشر سنوات، حتى تتمكن من الاستغناء الكامل عن الدعم العيني.
وفي كل الحالات لا يمكن استبدال الدعم العيني بالنقدي إلا من خلال منظومة جيدة لضبط الأسعار، ومنع الاحتكار.
ولن تنجح تلك المنظومة إلا بتبني سياسات تحد من الفقر بأبعاده المتعددة، ولن تنجح إلا إذا انخفض معدل الفقر إلى أقل من 20 ٪.
وعمومًا فانني لا أزال أؤكد أننا بحاجة إلى الأخذ بمبدأ العمومية في استحقاق الدعم دون الانتقائية حفاظًا على الطبقة الوسطى من التأكل والانهيار.
وأن الحد من الدعم ربما يكون مقبولًا إذا تزامن مع زيادة الدخل، وأقصد هنا بالدخل ليس الأجر ولكن الدخل الذي يعلي القدرة الشرائية للمواطن.
بحيث يسمح للمواطن بتلبية احتياجاته الأساسية في سهولة ويسر.
ورغم محاولات الحكومة لتخفيف الأعباء الاقتصادية عن كاهل المواطن المصري عبر حزم من المساعدات الاجتماعية والمبادرات، فضلًا عن إقرار علاوة دورية في المرتبات ورفع الحد الأدنى للأجور، إلا أن بطء أو انعدام التنفيذ الفعلي للحد الأدنى للأجور لايزال يفاقم من صعوبة وتكاليف المعيشة.
ولأن مهما بلغت قيمة حزم المساعدات الاستثنائية فإنها لن تُفلح في معالجة الفقر، ما لم تكن هناك سياسات جادة لتجفيف روافد الفقر وأخرى للحد من تداعياته.
تقف خلفها إرادة صلبة لمحاربة الفقر.
وأشخاص حقيقيون مؤمنون بالقضية، حريصون فعليًا على حلها.
على أن يُقاس نجاح تلك السياسات من خلال تعادل القوى الشرائية للمواطنين، وليس من خلال مؤشرات وأرقام مطاطة وتقارير مصطنعة مشكوك في مصداقيتها.
فإذا كان الفقر في مصر حسب التقارير الرسمية قد عاود الصعود مجددًا خلال العام 2022-2023 إلى 35.
7% في ظل التوترات والازمات التي عاشتها المنطقة وارتفاع معدلات التضخم، ووفقًا للبنك الدولي الذي أكد أن نحو 66.
2% من السكان يعيشون على أقل من 7 دولار يوميًا وهو معدل خط الفقر الدولي بحسب مقياس تعادل القوى الشرائية؛ فإن الحكومة ربما تواجه تحدٍ آخر.
هذا التحدي يرتبط بأهمية العمل بشكل متكامل على مكافحة الفقر، وعدم الاكتفاء فقط بمؤشر الفقر متعدد الأبعاد الذي يغطي 7 مؤشرات اساسية هي التعليم، الصحة، السكن، الخدمات، العمل، الحماية الاجتماعية والأمن الغذائي.
فلابد من الأخذ في الاعتبار مؤشر الفقر النقدي الذي يقيس نسبة السكان غير القادرين على تلبية احتياجاتهم الأساسية، بتحديد خط الفقر، أي الحد الأدنى من الدخل أو الإنفاق اللازم لتأمين الغذاء والمسكن والملبس والخدمات الأساسية.
وهو المؤشر الاساسي لقياس القدرة الشرائية للأسر.
ومن ثم، ومن أجل مقياس أكثر واقعية لمعدلات الفقر، ثمة حاجة لإصدار المؤشرين معًا كونهما متكاملان ويضمنان تخطيطًا أفضل لتحقيق التنمية المستدامة باعتبارها الحلم المنشود للحكومة والشعب معًا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك