مينا كان عنده جملة بقت شبه النفس عنده.
كل ما يتعب، يتلغبط، يحس إنه مخنوق، يقول تلقائيًا: “أنا خلاص مش قادر”.
يقولها وهو راجع من الشغل مهدود.
يقولها وهو قاعد قدام المذاكرة ومخه مش راضي يستوعب.
يقولها وهو شايل هم البيت، وهم بكرة، وهم الخدمة، وحاسس إن كل حاجة فوق دماغه لوحده.
في يوم رجع متأخر، الشارع هادي وهو من جواه كان مليان دوشة وصراع.
فتح الباب بهدوء، دخل أوضته، رمى الشنطة على الأرض وقعد على الكرسي يبص في الفراغ.
خرجت منه الجملة من غير تفكير: “يا رب أنا خلاص مش قادر”.
هو قالها كأنها آخر طاقة له، مش صلاة.
بعد دقائق التليفون رن، خادم كبير في الكنيسة بيطمن عليه من غير سبب واضح.
سأله عنه، سمعه، وقال له كلمتين بساط جدًا عن إن ربنا شايف تعبه.
قفل مينا المكالمة وحس إن قلبه هدي شوية، من غير ما يفهم إزاي التوقيت جه كده.
مرة تانية قال نفس الجملة وهو ماسك نتيجة امتحان مش على قد تعبه.
شاف الدرجات وحس إن كل مجهوده راح على الفاضي.
دخل أوضته بسرعة، رمى الورق على المكتب وقال بصوت مكسور: “أنا مش قادر أكمل كده”.
فتح اللابتوب بعصبية، وأول فيديو ظهر قدامه كان عظة قصيرة عن الرجاء بعد الفشل.
فتحه وهو مش مقتنع، لكن مع كل دقيقة كان حاسس إن الكلام متوجه له هو.
العظة ما غيرتش النتيجة، بس حركت جواه فكرة إنه يحاول تاني من غير ما يجلد نفسه، وإن ربنا مش بيقيسه بالدرجات.
في وقت أصعب، قال “مش قادر” وهو جوه مشكلة في البيت.
كلام عالي، توتر، اتهامات، ومسؤولية مش على قد سنه خالص.
بعد ما كل واحد راح أوضته، مينا دخل غرفته وقفل الباب ووقع على السرير من غير ما يغير هدومه.
بص في السقف وقال بهمس: “يا رب أنا مش قادر أعيش كده”.
نام على الحال ده.
صحي تاني يوم على رسالة من أب اعترافه يطلب يشوفه في أقرب فرصة.
راح وقعد يحكي اللي جواه من غير تجميل، وسمع لأول مرة جملة قصاد عينه: “أنت مش مطالب تشيل الدنيا لوحدك، فيه إله شايلك قبل ما أنت تشيل أي حاجة”.
الكلمات دي فضلت تتردد جواه أيام.
في الخدمة كمان وصل لنقطة “مش قادر”.
كان حاسس إنه بيقول نفس الكلام، نفس المواضيع، ونفس الردود.
الشباب قدامه شكله مش مهتم، وهو نفسه بقى يحضر الاجتماع وهو مش متشجع.
في ليلة قرر إنه هيعتذر عن جزء من الخدمة، ويمكن يسيبها فترة.
قبل ما ياخد القرار، لقى رسالة جاية من شاب بسيط بيحضر معاه من زمان، بيشكره فيها على كلمة قالها له من شهور.
الشاب كتب له إن الكلمة دي فرقت معاه في قرار مهم في حياته.
مينا قعد قدام الرسالة ساكت، وحس إن ربنا بيقوله: أنت مش شايف كل اللي بيحصل، بس ده مش معناه إن مفيش شغل بيتم.
مع الوقت مينا بدأ يلاحظ نمط معين.
كل مرة يقول فيها “أنا خلاص مش قادر”، مكانش بيحصل مشهد معجزي كبير يغير كل حاجة فجأة.
لكن كانت بتظهر قوة من نوع مختلف.
مرة في شخص بيتصل في توقيت مظبوط.
مرة في آية تقع قدامه وهو فاتح الإنجيل من غير ترتيب.
مرة في سلام هادي يحس بيه بعد صلاة بسيطة.
مرة في باب يتقفل وباب تاني يتفتح من غير ما هو كان مخطط.
في ليلة هادية، فتح الإنجيل وقعد يقرأ عن ناس تعبت ومع ذلك ربنا سندها.
وقف قدام فكرة إن ربنا ما بيستهونش بتعب أولاده، وإنه بيعرف يبعث لهم قوة مناسبة في الوقت المناسب.
حس إن “مش قادر” مش عيب ولا ضعف قليل الإيمان، لكنها اعتراف حقيقي قدام ربنا، بيقول له: أنا حدودي وصلت، وإنت حدودك ملهاش آخر.
من اليوم ده مينا قرر ما يكتمش الجملة دي عن ربنا.
يفضل يقول “أنا مش قادر”، بس يزوّد بعدها “بس أنت تقدر”.
يفتكر المرات اللي عدّت قبل كده وهو كان فاكر إنه مش هيعدي.
يفتكر الرسالة اللي جات في وقتها، والكلمة اللي وصلت من غير ما يطلبها، والنعمة اللي بتشتغل في الخلفية من غير دوشة ولا تفاصيل تبان قدام العيون دايمًا.
فهم إن كل مرة قال فيها “أنا خلاص مش قادر”، ربنا كان بيرد عليه بقوة جديدة تسنده، حتى لو مينا مكانش واخد باله ساعتها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك