الجزيرة نت - خطاب حالة الاتحاد ترمبي بامتياز وخلا من أي مفاجآت الشرق للأخبار - برشلونة يستعجل عودة حمزة عبد الكريم إلى إسبانيا الجزيرة نت - لماذا تكتسي زيارة المستشار الألماني إلى الصين أهمية خاصة؟ روسيا اليوم - من أين حصلت عصابات المكسيك على صواريخ جافلين الأمريكية الصنع؟ فرانس 24 - توقيف رئيس مخابرات سريلانكا السابق بتهمة التواطؤ في هجمات فصح 2019 الجزيرة نت - فيديو.. معلومات أساسية حول سور القدس ودوافع بنائه الشرق للأخبار - تشافي هيرنانديز مرشح بارز لخلافة الركراكي في المنتخب المغربي روسيا اليوم - الخارجية الصينية تجدد موقف بكين الرافض لاستخدام الأسلحة النووية وسط مخاوف من نقلها إلى أوكرانيا روسيا اليوم - "فايننشال تايمز": مودي تجنب المحادثات الهاتفية مع ترامب بسبب النزاع التجاري قناه الحدث - جراحة ميكروسكوبية نادرة تنقذ قدم "طفل باسوس" في مصر
عامة

ماذا تعرف عن مكانة مصر؟

الجزيرة نت
الجزيرة نت منذ 1 أسبوع

لا أظن أن أحدا ينسى أحلام صباه مهما تباعدت الأزمنة وقست الظروف، فقد تفتقت ذاكرتي حينذاك، وشب وعيي في صباي الباكر على حب مصر، فقد كانت ثمة آفاق حلمت بزيارتها، وكنوزا دفينة أردت استخراجها. .وكانت مصر ...

ملخص مرصد
يتذكر الكاتب طفولته وحبه لمصر التي كانت تمثل له حلما عسير المنال، ويستعرض العلاقة الوثيقة بين مصر والسودان في الماضي، ويستشهد بآيات قرآنية تبرز مكانة مصر العظيمة كما شرحها إمام مسجد سنار المصري.
  • مصر كانت تمثل للكاتب في طفولته حلما عسير المنال ورمزا للأحلام والبهجة
  • العلاقة بين مصر والسودان كانت متكاملة كتوأمين من رحم واحد
  • إمام مسجد سنار المصري شرح مكانة مصر العظيمة مستشهدا بآيات قرآنية
من: الكاتب وإمام مسجد سنار المصري أين: مصر والسودان متى: في الماضي البعيد

لا أظن أن أحدا ينسى أحلام صباه مهما تباعدت الأزمنة وقست الظروف، فقد تفتقت ذاكرتي حينذاك، وشب وعيي في صباي الباكر على حب مصر، فقد كانت ثمة آفاق حلمت بزيارتها، وكنوزا دفينة أردت استخراجها.

وكانت مصر بمثابة ذلك الحلم العسير صعب المنال، فهي بوابة تحقيق الأحلام، وبهجة الدنيا، وعصارة ما في الحياة، هكذا كان خيالي الصغير يصورها في ذلك الوقت البعيد، كأنها" الفردوس الموعود" الذي يخبئه النيل في آخره، أو الجائزة التي أنتظرها خلف الأفق، ولا عجب أن سميت بأم الدنيا.

أحسب أن العلاقة بين مصر والسودان في تلك الأيام البعيدة كانت علاقة متفردة، يشوبها كثير من التكامل، فقد كان الاثنان مثل توأم خرجا من رحم واحد، سكنا نفس الوادي، وعاشا في قطرين مختلفين، بروح واحدة، وما زال الحبل السري يربط بينهما، إذ لم يكونا بمعزل عن بعضهما، فما كان يحدث في مصر يتأثر به السودان، والعكس بالعكس.

لا غرو أن الناس في بلدي كانوا يأمون مصر للعلم والدراسة، ويقصدونها للعلاج، ولهم فيها مآرب أخرى، وكان أولئك النفر الذين يعودون من زيارتها يشغلون المجالس بحديثهم عما رأوه وسمعوه فيها.

أتذكر بوضوح أن مصر في تلك الأيام البعيدة كانت أكثر إنتاجا وتأثيرا ونبضا، ولطالما أتتنا منها المجلات والكتب والملابس والحلويات وأشياء أخرى لا حصر لها، ذلك وقت عجيب، وكما تعلمون يا سادتي، فلم تكن في أيامنا تلك جوالات ولا إنترنت، ولا قنوات فضائية أو" دش"، وحتى التلفزيون لم يكن يبث برامجه إلا في المساء، وكانت الوسيلة الوحيدة لتزجية الوقت هي المطالعة وقراءة ما يقع تحت يدك من مخطوطة أو حتى قصاصة ورق.

كانت مجلات" ميكي" و" سمير" و" المغامرون الخمسة" و" الشياطين الثلاثة عشر" أول عهدي بالمطالعة، ثم مجلات الفن والسياسة حين تقع في يدي أو لا أجد عنها بديلا.

كنت شغوفا بتصفح الصور والعناوين العريضة أكثر من تطلعي للقراءة بتركيز وفهم، وألتقط ما يشبه الشذرات من كتب متفرقة.

هذا العالم المجهول كان كل ما تطلعت لمعرفته، ورغبة في اكتشافه، ولا سبيل لبلوغه إلا بمد حبال الخيال، ورجاء الأمنيات، وأزعم أن هناك مقولة كانت رائجة ومتداولة في تلك الأيام تقول: " القاهرة تكتب، وبيروت تطبع، والخرطوم تقرأ"، حقا كان الأمر كما وصفته لكم.

ولا غرو أن الناس في بلدي كانوا يأمون مصر للعلم والدراسة، ويقصدونها للعلاج، ولهم فيها مآرب أخرى، وكان أولئك النفر الذين يعودون من زيارتها يشغلون المجالس بحديثهم عما رأوه وسمعوه فيها، وكانت تلك القصص والأخبار القادمة من مصر تشحذ خيالي، وتجعلني تواقا لزيارتها، وكنت كلما تذكرتها طافت برأسي قصيدة تاج السر الحسن التي غناها الراحل عبد الكريم الكابلي، ولطالما أشجت هذه الأغنية مسامعي:

يا رياضا عذبة النبع وريقة يا حقيقة.

مكانة مصر العلية والجلية لا تخفى على أحد مهما أنكر المنكرون؛ فقد تنكر العين ضوء الشمس من رمد، كما ينكر الفم طعم الماء من سقم.

إنني أتذكر بوضوح إمام الجامع الكبير المنتدب عندنا بمدينة سنار من وزارة الأوقاف في ذلك الوقت البعيد، كان مصريا وأزهريا مفوها، وكان دائما يرتدي" الجبة والقفطان"، سيما يوم الجمعة، وأذكر جيدا مرة تحدث فيها عن مصر بكل فخر وإباء، وحق له ذلك، فقال إن الله تعالى قد ذكر مصر على سبيل الاستحسان في قوله تعالى: {ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين} (يوسف 99).

عجبا لذلك الإمام الفصيح الذي كان يشد انتباه الناس بأسلوبه الرائع البسيط، وعلمه الغزير في غير تكلف، فالإمام والمعلم شأنهما واحد؛ فإما أن يحبباك في العلم، أو ينفراك منه، لكن حديث إمامنا لم يكن منفرا أبدا، بل كان يتسم دوما بالحب الممزوج بالحكمة، والترفق بالناس، وقد لاحظت أنه لم يكن يذكر كلمة مصر إلا ويردف قوله بكلمة" رضي الله عنها"، وقد بين للمصلين أن الله لا يرضى عن كائن أو شيء إلا إذا كان حسنا ومستحسنا.

وقال الإمام أيضا إن الله ذكر مصر على سبيل التكريم في قوله تعالى: {وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوآ لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة وبشر المؤمنين} (يونس 87)، وقال إن كلمة" تبوآ بمصر" بفتح الراء ممنوعة من الصرف، أي مقصود بها مصر بعينها، وليست أي بلد آخر.

ومن ضمن ما قاله الإمام أن الله تعالى قد ذكرها في مواطن أخرى تلميحا، كقوله تعالى في سورة الدخان: {كم تركوا من جنات وعيون (25) وزروع ومقام كريم (26) ونعمة كانوا فيها فاكهين (27) كذلك وأورثناها قوما آخرين (28)}، وقال إن معنى" مقام كريم" بفتح الميم أي مقام محله التكريم، أي كرمه الله تعالى وكرم محبيه وساكنيه، وأما كلمة" نعمة" بفتح النون فتعني محل النعم، سبب النعم، مجموع النعم، ما يتنعم به، طيب العيش، والرخاء.

كانت تلك الآيات والمعاني التي شرحها الإمام باستفاضة في خطبته العصماء قد راقت لي واستوطنت قلبي، وأذكر لحظتها أنه باغتني سرور غامر اختلط بالدهشة، حينما قال إن الله قد جعل الكعبة قبلة للصلاة، وجعل السماء قبلة للدعاء، وجعل بيوت الأخيار والصالحين وأولي الفضل في كل زمن، وآل بيت النبي ﷺ خاصة، قبلة لقضاء الحوائج، وعليه لن يكون مستغربا أن يجعل الله مصر قبلة للأمن والأمان، فهذا من دواعي سرور كل مؤمن.

لعمري، الكلام عن مصر ورفعة مكانتها حديث عذب ذو شجون، فمصر قد ترمز لشيء عظيم معجز، لكن يكفي القول إنها كنانة الله في أرضه.

تلكم الأحاديث الكريمة عن مصر" رضي الله عنها" كانت تقطر حلاوة، فهي قول لين يخترق الوجدان، ويشعل الشوق في النفس، وقد زادتني حبا وحنينا وطلبا لها، ومهما حاولت الآن أن أشرح ذلك، أو أقتفي أثر تلك المعاني الراقية التي تسربت من ذاكرتي، فلن أفلح أبدا، إذ يتملكني العجز، وينعقد لساني إجلالا وخوفا، فالكلام عن مصر وتبيان مكانتها أجده عصيا على الكبار، فما بالكم بالصغار أمثالي، لكنني أردت فقط التشرف بذكرها.

فمكانة مصر العلية والجلية لا تخفى على أحد مهما أنكر المنكرون؛ فقد تنكر العين ضوء الشمس من رمد، كما ينكر الفم طعم الماء من سقم، فالشمس لا يمكن إنكارها ببساطة، " ستظل تشعر بها حتى بعينين مغمضتين"، كما يقول الاقتباس، فهي حقيقة وجديرة بأن تعرف.

لعمري، الكلام عن مصر ورفعة مكانتها حديث عذب ذو شجون ولا ينتهي، فمصر قد ترمز لشيء عظيم معجز، لكن يكفيني القول إنها كنانة الله في أرضه، ومهبط الأنبياء، ومأوى الأولياء، ومهد الحضارة، ونبراس الهدى والعلم، وما الأزهر الشريف إلا إحدى دلائل ذلك الفضل.

ويا ليت الناس قد عرفت ذلك، أو بقيت الدنيا على حالها، فقد كنا حقا سعداء بمصر في ذلك الزمان الأغر، فماذا أصابنا بعد ذلك؟ أم ماذا أصاب شيوخنا المصريين، وعلماء أمتنا العربية الأجلاء؟

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك