تحقق صناعة القنب في الولايات المتحدة أرقاماً قياسية، حيث بلغت المبيعات نحو 31 مليار دولار في 2025، متجاوزة أسواقاً تقليدية مثل الشوكولاتة والآيس كريم.
لكنها على الرغم من هذا النمو، تواجه أزمة تمويل حقيقية، حيث إن البنوك ترفض التعامل معها، وتُجبر المتاجر على العمل نقداً، بينما الحصول على قروض توسعية يكاد يكون مستحيلاً أو باهظ التكلفة، حسبما أفاد تحقيق أوردته بلومبيرغ اليوم الخميس.
ففي مبنى تاريخي كان يوماً يحفظ أموال سكان بروكلين داخل خزائن فولاذية سميكة، تُباع اليوم أزهار القنب وأجهزة التبخير وحلوى" الغومي" تحت قبة زجاجية مزخرفة.
داخل خزائن الأمانات القديمة في" غرينبوينت سايفينغز بنك"، تتدلى إعلانات تروّج لـ" أفضل لفافة جاهزة في العالم"، فيما تحوّلت بوابة فولاذية ضخمة كانت تحرس النقود إلى مدخل يعلوه شعار متوهّج لأوراق الماريجوانا، بحسب الوكالة.
لكن المفارقة، كما تلاحظ، أن متجر القنب المعروف حالياً باسم" فلينستوند غرينبوينت" (FlynnStoned Greenpoint)، يعاني من أمر لم يكن يخطر على باله حين كان المبنى مصرفاً: صعوبة الوصول إلى الخدمات المصرفية الأساسية.
وهي تنقل عن جوشوا ويلسون، الذي يعمل مع شركة" جيه تي آر إي" (JTRE) المالكة للعقار، قوله: " نحن تجار مخدرات قانونيون يُعامَلون كما لو كنا غير قانونيين"، ليضيف بمرارة: " نشعر وكأننا الابن غير المرغوب فيه".
خلال العقد الماضي، تضخّمت صناعة القنب في الولايات المتحدة مع تقنينه في عدد متزايد من الولايات.
وبلغت المبيعات نحو 31 مليار دولار في 2025، متجاوزة أسواق منتجات تقليدية مثل الشوكولاتة والآيس كريم، وفق شركة تتبع السوق" بي دي إس إيه" (BDSA)، التي تتوقع نمواً إضافياً بنحو الثلث قبل نهاية العقد.
لكن خلف هذه الأرقام الضخمة، تواجه آلاف الشركات في نحو 40 ولاية تسمح بالقنب لأغراض طبية أو ترفيهية، معضلة مالية أساسية تتمثل بأن الماريجوانا لا تزال غير قانونية على المستوى الفيدرالي.
فالبنوك الخاضعة للرقابة الفيدرالية، بحسب بلومبيرغ، ملزمة بالقوانين الوطنية التي تحظر التعامل مع عائدات مواد غير قانونية أو إقراض شركات مرتبطة بها.
وأي تعامل مباشر مع متجر أو مزرعة قنب قد يعرّض المؤسسة المصرفية لتهم غسل أموال أو حتى يهدد ترخيصها الفيدرالي.
وفي هذا الصدد، تنقل الوكالة عن مايكل بيرد، نائب رئيس بنك" ساوثويست كابيتال" (Southwest Capital) الخاضع لتنظيم ولاية نيو مكسيكو، قوله: " لم يُعتقل أي مصرفي، بحسب علمنا، بسبب قبول ودائع من شركات قنب، لكنهم لا يريدون صداع الامتثال".
ويضيف: " لا تزال هناك وصمة اجتماعية مرتبطة بالقطاع".
والنتيجة نظام مالي هجين ومجزأ يعتمد على اتحادات ائتمانية وبنوك إقليمية صغيرة.
فحتى نهاية 2024، كانت 816 مؤسسة مالية فقط تخدم قطاع القنب، أي أقل من 10% من إجمالي البنوك والاتحادات الائتمانية في البلاد، وإن كان الرقم قد تضاعف 15 مرة منذ 2014.
وفي متجر بروكلين، يدفع أكثر من نصف الزبائن نقداً.
وتُنقَل الأموال أسبوعياً عبر سيارات مصفحة إلى بنك محلي مستعد لقبول الودائع.
أما المدفوعات عبر بطاقات الخصم، فتُعالَج كعمليات سحب من أجهزة صراف آلي، مع تقريب المبلغ إلى أقرب 5 أو 10 دولارات وإعادة الباقي نقداً، وهي ممارسة شائعة لتجنب تدقيق البنوك الكبرى، وفق الوكالة نفسها.
مشروع قانون" الخدمات المصرفية الآمنة والعادلة"، الذي يمنح حماية قانونية للبنوك المتعاملة مع القطاع، مرّ في مجلس النواب عدة مرات، لكنه تعثر في مجلس الشيوخ، وسط تعقيدات سياسية ومحاولات لإضافة بنود تخدم قطاعات أخرى مثل تجار الأسلحة.
كذلك، فإن بطاقات الائتمان محظورة تماماً.
فشركتا" فيزا" (Visa) و" ماستركارد" (Mastercard) تبتعدان عن القطاع لتفادي مخاطر الامتثال.
ويقدّر ويلسون أن متوسط إنفاق الزبون، البالغ 63 دولاراً، كان يمكن أن يرتفع بنسبة 15% إلى 20% لو سُمح بقبول بطاقات الائتمان.
وتكمن الأزمة الأكبر في التمويل، حسب بلومبيرغ.
فالحصول على قروض لتوسيع الأعمال صعب ومكلف.
فالبنوك لا تقبل القنب ضماناً، وتطلب بدلاً من ذلك رهن المعدات والعقارات، وأحياناً حتى منازل أصحاب الشركات.
ويقول بيرد ساخراً: " هذا عبء ثقيل على شركة ناشئة.
لن يقول بنك لعميل متعثر: أحضر كل مخزونك من القنب لنبيعه في السوق الثانوية".
وعندما تتوافر القروض، قد تصل الفائدة إلى 3% شهرياً، أي نحو 36% سنوياً، مقارنةً بمتوسط أقل من 8% لقروض الأعمال الصغيرة التقليدية، وفق بيانات الاحتياطي الفيدرالي.
وتشير بلومبيرغ إلى أن القطاع حقق في ديسمبر/ كانون الأول، اختراقاً سياسياً مهماً بعدما وجّه الرئيس دونالد ترامب إدارته لإعادة تصنيف القنب مادةً أقل خطورة، ما قد يخفف الأعباء الضريبية ويشجع بعض المقرضين الجدد.
لكن القنب سيظل غير قانوني فيدرالياً، ما يعني أن معظم البنوك ستبقى متحفظة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك