لم يكن خبر تولي الكاتب الصحفي ضياء رشوان حقيبة وزارة الدولة للإعلام مجرد قرارٍ إداري عابر، بقدر ما بدا وكأنه استدعاءٌ لخبرةٍ تراكمت داخل أروقة المهنة، واستجابة لحاجة طالما عبّر عنها أهل الإعلام والصحافة، وهي أن يتصدر قيادتها من يعرف تضاريسها الوعرة، ويُدرك ما يكتنفها من تحدياتٍ مهنية ومعيشية، وما يحدو العاملين فيها من طموحاتٍ مشروعة لاستعادة مكانتها ودورها.
فالمهنة التي كانت يومًا أحد أعمدة القوة الناعمة للدولة المصرية، وصوتًا مؤثرًا في تشكيل الوعي العام، عانت خلال السنوات الأخيرة من ضغوطٍ متشابكة، فرضتها تحولات اقتصادية وتكنولوجية متسارعة، غيّرت طبيعة صناعة الإعلام ذاتها، وألقت بظلالها الثقيلة على أوضاع العاملين بها.
ومن هنا، تبدو آمال الوسط الصحفي والإعلامي معلّقة على أن يمثل وجود رشوان على رأس المنظومة بداية مرحلةٍ جديدة تُعيد التوازن بين تطوير الأداء المهني وتحسين الأوضاع المعيشية للعاملين، الذين تراجعت دخولهم بصورةٍ لافتة بعد أن كانوا في مقدمة قطاعات الدولة من حيث المكانة والدخل.
وليس بعيدًا عن ذاكرة الجماعة الصحفية الدور الذي لعبه رشوان في تحقيق أكبر زيادة في بدل التكنولوجيا، وهو ما رسّخ لدى كثيرين قناعةً بأنه يدرك طبيعة الاحتياجات الحقيقية للعاملين في المهنة، وأنه ينظر إلى تطوير الإعلام باعتباره مشروعًا متكاملًا لا يقف عند حدود التدريب أو تحديث الأدوات، بل يمتد ليشمل بناء بيئةٍ مهنية مستقرة تحفظ كرامة العاملين وتُعزز قدرتهم على العطاء.
غير أن التحدي الأكبر لا يكمن فقط في مواكبة التطورات التقنية، بما في ذلك الثورة المتسارعة في مجالات الذكاء الاصطناعي والإعلام الرقمي، وإنما في صياغة رؤيةٍ إعلامية قادرة على الجمع بين التطور المهني والمسؤولية الوطنية، بما يفتح أمام المهنة هامشًا أوسع من الحرية المسؤولة التي تُعيد إليها حيويتها وتُرسخ قيم الموضوعية والشفافية.
فالإعلام، في جوهره، لا يزدهر إلا في مناخٍ يسمح بتعدد الرؤى وطرح الأسئلة، ويمنح الجمهور الثقة في ما يُقدم إليه من معلومات وتحليلات.
وتتسق هذه الرؤية مع التوجهات التي تضع بناء الوعي العام في صدارة أولويات الدولة، باعتباره خط الدفاع الأول في مواجهة الشائعات ومحاولات زعزعة الاستقرار الفكري والاجتماعي.
ومن ثم، فإن نجاح المنظومة الإعلامية لا يقاس فقط بقدرتها على نقل الخبر، بل بمدى إسهامها في تشكيل وعيٍ رشيدٍ يوازن بين نقل الحقيقة وصيانة المصلحة الوطنية.
وتمنح المسيرة المهنية للكاتب الصحفي ضياء رشوان مؤشراتٍ واضحة على قدرته في التعامل مع هذه التحديات المركبة.
فمنذ تخرجه في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة عام 1981، ثم حصوله على درجة الماجستير في التاريخ السياسي من جامعة السوربون، انخرط في العمل البحثي والصحفي عبر مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، حيث تدرج في مناصبه حتى تولى إدارة المركز، مكتسبًا خبرةً عميقة في تحليل القضايا السياسية والفكرية.
كما شكّل توليه رئاسة الهيئة العامة للاستعلامات محطةً مهمة في مسيرته، حيث أسهم في تطوير آليات التواصل الإعلامي مع الخارج، وتعزيز حضور الرواية المصرية في وسائل الإعلام الدولية.
وإلى جانب ذلك، مثّلت فترات توليه منصب نقيب الصحفيين انعكاسًا لثقة الجماعة الصحفية في قدرته على التعبير عن مطالبها والدفاع عن مصالحها، فضلًا عن مشاركته في لجنة إعداد دستور 2014، وعضويته في عددٍ من المؤسسات الصحفية والإعلامية الكبرى.
إن الرهان الحقيقي اليوم لا يقتصر على شخص الوزير، بل يمتد إلى المشروع الذي يمكن أن يقوده لإعادة صياغة دور الإعلام المصري في مرحلةٍ تتسم بتغيراتٍ متسارعة على المستويين التكنولوجي والمعرفي.
فالإعلام الذي يسعى لاستعادة جاذبيته وتأثيره، يحتاج إلى رؤيةٍ تستند إلى المهنية والحرية المسؤولة والاستثمار في العنصر البشري، بوصفه الركيزة الأساسية لأي عملية تطوير حقيقية.
ويبقى الأمل معقودًا على أن تنجح هذه المرحلة في استعادة بريق الإعلام والصحافة، ليعودا منابر للتنوير وصناعة الوعي، وشريكًا فاعلًا في مسيرة بناء الدولة الحديثة.
وهي مهمة تبدو ثقيلة، لكنها ليست بعيدة المنال إذا ما توفرت الإرادة والرؤية، وهو ما يدفع كثيرين إلى التفاؤل بأن يكون ضياء رشوان قادرًا على حمل هذه الأمانة والنهوض بها نحو آفاقٍ أوسع وأكثر تأثيرًا.
ونحن لمنتظرون!

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك