عاشت عائلة الأسير سائد المصري (47 عاماً) من مدينة نابلس شمالي الضفة الغربية المحتلة، نكسة حقيقية، بعدما فوجئت، عقب الإفراج عنه من سجون الاحتلال الإسرائيلي وانتهاء مدة حكمه البالغة ثلاثين شهراً، بتحويله إلى الاعتقال الإداري مدة ستة أشهر.
وكانت العائلة قد توجهت قبل أيام إلى حاجز الظاهرية، أقصى جنوب الضفة الغربية، لاستقباله، لكنها عادت مع ساعات المساء مثقلة بخيبة أمل كبيرة بعد عدم إطلاق سراحه.
ويعد المصري واحداً من مئات الأسرى الذين لا يُفرج عنهم عقب انتهاء مدة اعتقالهم، سواء كانوا محكومين في قضية أو موقوفين إدارياً.
يقول عميد المصري شقيق سائد لـ" العربي الجديد": " إن العائلة فُجعت بالقرار، وانقلبت فرحتها إلى حزن عميق، ولا سيما لدى بناته اللواتي أصررن على التوجه إلى الحاجز المخصص لاستقبال الأسرى، رغم بعده الكبير عن مكان سكنهم وخطورة الطريق".
ويضيف: " بقينا جميعاً ننتظر وصوله حتى أسدل الليل ستاره، ثم علمنا أنه لن يأتي، فعدنا خائبين".
ونظراً لعدم وجود أي وسيلة للتواصل بين الأسير والعالم الخارجي، انتظرت العائلة حتى اليوم التالي، ليبلغهم محاميه بتحويله إلى الاعتقال الإداري دون تهمة تذكر.
يقول عميد: " لم يكتف الاحتلال بسجن أخي ثلاثين شهراً في ظل ظروف بالغة التعقيد عاشها مع بقية الأسرى، إذ أصيب بعدة أمراض وتعرض للضرب والإهانة مراراً، بحسب ما كان ينقله إلينا من عايشه في الأسر، بل عملوا على سرقة فرحتنا.
أنا متأكد أننا لسنا الحالة الوحيدة التي مرت بهذا الظرف، فقد باتت هذه سياسة الاحتلال الدائمة".
أما عائلة الأسير عبد الله روحي من مخيم الأمعري، فقد عاشت لحظات حزن مشابهة، حيث كان من المقرر إطلاق سراحه قبل أيام، بعد تسعة عشر شهراً قضاها موقوفاً على ذمة الاعتقال الإداري دون توجيه أي تهمة تذكر، وفور خروجه من السجن أعيد اعتقاله، ليُحوَّل إلى جلسة محاكمة مددت توقيفه ثمانية أيام بادعاء وجود اعترافات عليه بأنه مشارك في عمليات للمقاومة الفلسطينية.
يقول محاميه الذي فضّل عدم ذكر اسمه في حديثه لـ" العربي الجديد"، إنه اطلع سريعاً على التهم التي وُجهت إلى موكله، وإذا بها قديمة، أي قبل اعتقاله، لكن ضابط المخابرات الإسرائيلي أخفاها واحتفظ بها إلى حين انتهاء مدة الاعتقال الإداري للموكل وقدمها في الساعة الصفر للقضاء الإسرائيلي الذي أخذ بها فورا وأصدر قراره بالتحفظ على الأسير.
وتنتهج إسرائيل سياسة الاعتقال الإداري بحق الفلسطينيين من دون توجيه تهم أو محاكمة، إذ يمكن تجديده لفترات غير محددة، استناداً إلى ملف سري لا يمكن للمعتقل أو لمحاميه الاطلاع عليه.
يقول مدير هيئة شؤون الأسرى والمحررين في محافظة نابلس، خالد أبو كاملة، لـ" العربي الجديد": " إن المحاكم الإسرائيلية تتجاوز القانون ذاته حيث يجري التعامل مع عمليات التمديد والتوقيف بناءً على تقييم ضابط المخابرات الإسرائيلي في المنطقة التي يقطنها الأسير".
ويشير إلى أن عدداً كبيراً من الأسرى يُطلَق سراحهم بعد انتهاء مدة حكمهم وما إن يصلون إلى باب السجن حتى يُعاد اعتقالهم وإصدار حكم جديد بحقهم.
ويلفت أبو كاملة إلى أن هذا الضابط يوجه القضاء لإصدار حكم بالاعتقال الإداري بحق الأسير، ويخفي ملفه الذي يدعي أنه يتضمن اعترافات ضده حتى لحظة الإفراج عنه، ثم يقدمه للقضاء لإعادة اعتقاله ومحاكمته على أساسه.
ويشير إلى أن هذه السياسة كانت قائمة قبل الحرب على غزة، لكنها تصاعدت بشكل ملحوظ بعدها، مدعومة بسياسة وزير الأمن القومي الإسرائيلي المتطرف إيتمار بن غفير، الذي وصف أخيراً أحد القضاة الذي رفض إعادة محاكمة أسير فلسطيني أعيد اعتقاله بأنه" قاضٍ فلسطيني".
ويوضح أبو كاملة أن إعادة اعتقال الأسرى فور تحررهم تعكس سياسة الاحتلال في التنصل من التزاماته القانونية، وتؤكد استمرار استهداف الأسرى الفلسطينيين حتى في اللحظات التي يُفترض أن ينالوا فيها حريتهم، ما يضاعف من معاناتهم وعائلاتهم ويزيد من حالة الاحتقان.
ويشير أبو كاملة إلى أن الاحتلال يهدف من خلال هذه السياسة إلى التأثير بنفسيات الأسرى والأسيرات، وإضعاف معنوياتهم، وكسر فرحة ذويهم الذين ينتظرون إطلاق سراحهم بفارغ الصبر.
فكثيراً ما يمكث الأهالي ساعات طويلة على الحواجز، ويقيمون مظاهر الفرح، قبل أن يتأكدوا من عدم إطلاق سراح الأسير وتجديد اعتقاله بعد إبلاغه بالتحرر، فيصابون بالإحباط والضيق.
وأفاد نادي الأسير الفلسطيني ومؤسسة الضمير وهيئة شؤون الأسرى والمحررين الفلسطينية، في تقرير مشترك، بأن سلطات الاحتلال الإسرائيلية نفذت 21 ألف اعتقال منذ بدء حرب الإبادة في 8 أكتوبر/تشرين الأول 2023، بينهم 1655 طفلاً و650 سيدة، دون احتساب أسرى قطاع غزة والداخل المحتل.
وخلال عام 2025 وحده، اعتقلت قوات الاحتلال الإسرائيلي 7 آلاف فلسطيني، بينهم 600 طفل و200 سيدة، ليصل إجمالي عدد الأسرى في السجون الإسرائيلية إلى أكثر من 9300 أسير، بينهم 3350 معتقلاً إدارياً، يشكلون 49% من الأسرى.
ووفق التقرير، صنفت إسرائيل 1220 أسيراً على أنهم" مقاتلون غير شرعيين" في مؤشر على توسيع سياسة الاعتقال التعسفي.
ووثق التقرير استشهاد 32 أسيراً في السجون الإسرائيلية خلال عام 2025، من بينهم 10 أسرى من قطاع غزة، فيما عدد الشهداء الأسرى منذ بدء حرب الإبادة 100 أسير، بينهم 83 قضوا نتيجة التعذيب والإهمال الطبي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك